ويشغله عن التفكر فيه ، والتدبر له حتى يخيل إليه الباطل حقًا والحق باطلًا ، فبين النبي إن جنس البيان وإن كان محمودًا فإن فيه ما يذم للمعنى الذي ذكرناه ، وأن جنس الشعر وإن كان مذمومًا فإن فيه ما يحمد لاشتماله على الحكم وهو ما فيه موعظة وثناء لله ورسوله وزهد في الدنيا ورغبة في الآخرة قلت: ومما يدل على أن البيان في أصله محمود قوله تعالى: 16 ( { الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان } ) [ الرحمان 4 ] ومما يدل على أن الشعر في أصله مذموم قوله تعالى: 16 ( { والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون } ) [ الشعراء 226 ] الآية وقد كثر الأحاديث في ذمه ومن ثم سموا الأدلة الكاذبة شعرًا وقيل في الشعر: أكذبه أحسنه ، ولذا قال بعض المفسرين في قول الكفار له: ( إنه شاعر ) يعنون أنه كاذب لأن ما يأتي الشاعر أكثره كذب والله أعلم . وروي عن عمر بن عبد العزيز إن رجلًا طلب إليه حاجة كان يتعذر عليه إسعافه بها فاستمال قلبه بالكلام فأنجزها له ثم قال: هذا هو السحر الحلال ، وقال الطيبي: من للتبعيض والكلام فيه تشبيه وحقه أن يقال: إن بعض البيان كالسحر ، فقلب وجعل الخبر مبتدأ مبالغة في جعل الأصل فرعًا والفرع أصلًا ووجه الشبه أنه يتغير بتغير إرادة المدح والذم . ( رواه البخاري ) ، وكذا مالك وأحمد وأبو داود والترمذي ، ورواه أحمد وأبو داود عن ابن عباس بلفظ ( إن من البيان سحرًا وإن من الشعر حكمًا ) .
( وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله:( إن من الشعر حكمة ) ) أي ما فيه حق وحكمة أو قولًا صادقًا مطابقًا للحق ، وقيل: أصل الحكمة المنع ، فالمعنى إن من الشعر كلامًا نافعًا يمنع عن السفه والجهل ، وهو ما نظمه الشعراء من المواعظ والأمثال التي ينتفع به الناس ، فإن الشعر كلام فحسنه كحسن الكلام . ( رواه البخاري ) .
( وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله:( هلك المتنطعون ) ) أي المتكلفون في الفصاحة أو المصوّتون من قعر حلوقهم والمرددون لكلامهم في أفواههم رعونة في القول . قال التوربشتي: أراد بهم المتعمقين الغالين في خوضهم فيما لا يعنيهم من