فهرس الكتاب

الصفحة 452 من 6013

( والصبر ضياء ) بالياء المنقلبة عن الواو لكسرة ما قبلها ، ورُوي بالهمزة قبل الألف ، قيل: الصبر هو حبس النفس عما تتمنى من الشهوات وعلى ما يشق عليها من العبادات وفيما يصعب عليها من النائبات ، وقيل: المراد به الصبر عن الدنيا ولذاتها الدنية وعن المعاصي وعلى التكاليف الشرعية وفي المصيبات والمحن الكونية ؛ فيخرج العبد عن عهدتها فتكون ضياء لأن بترك الصبر عليها يدخل في ظلمة المعاصي ، وقيل: المراد بالصبر هنا الصوم بقرينة ذكره مع الصلاة والصدقة إذ المراد بها الزكاة كما قيل في قوله تعالى: 16 ( { واستعينوا بالصبر والصلاة } ) [ البقرة 45 ] وسُمي الصوم صبرًا لثبات الصائم وحبسه نفسه عن الشهوات ، وسُمي شهر رمضان شهر الصبر ، وقيل: قوله ( ضياء ) يعني في ظلمة القبر لأن المؤمن إذا صبر على الطاعات والبلايا في سعة الدنيا وعن المعاصي فيها جازاه الله تعالى بالتفريج والتنوير في ضيق القبر وظلمته ، وقال بعضهم: الصبر ضياء في قلبه لأن الصبر على المكاره في دين الله تذلل ، ومن تذلل في الله سهل عليه الطاعات ومشاق العبادات وتجنب المحظورات ، ومن كان هذا شعاره لا شك أن في قلبه ضياء والضياء أقوى من النور ، قال الله تعالى: 16 ( { هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورًا } ) [ يونس 5 ] وذلك لأن الصبر أوسع من الصلاة ، لأن كل واحدة من الواجبات والمحظورات تحتاج إلى الصبر . نعم إذا فسر الضوء بالصبر فذلك لتخصيصه بالنهار كتخصيص الشمس به لا لمزية الصوم على الصلاة إلا على قول من يقول: الصوم أفضل من الصلاة ، لأن الصوم إمساك يشبه الصمدانية وهو من صفات الرب ، والصلاة تذلل وهو من صفات العبد ، ولقوله عليه الصلاة والسلام: ( الصوم لي وأنا أجزي به ) كذا حققه السيد .

( والقرآن ) أي قراءته ( حجة لك ) إن عملت به ( أو عليك ) إن أعرضت عنه أو قصرت فيه بترك العمل بمعانيه .

( كل الناس يغدو ) أي يصبح أو يسير ، قيل: الغدوّ والسير في أوّل النهار ضد الرواح ، وقد غدا يغدو غدوًّا مأخوذ من الغدوة ما بين الصباح وطلوع الشمس ، والمعنى كل أحد يسعى ويجتهد في الدنيا ويرى أثر عمله في العقبى ، قال الطيبي: وهو مجمل تفصيله ( فبائع نفسه ) أي حظها باعطائها وأخذ عوضها وهو عمله وكسبه ؛ فإن عمل خيرًا فقد باعها وأخذ الخير عن ثمنها . ( فمعتقها ) من النار بذلك قال الطيبي: الفاء للسببية وهو خبر بعد خبر ، ويجوز أن يكون بدل البعض من قوله: ( فبائع نفسه ) ( أو موبقها ) ) أي مهلكها بأن باعها وأخذ الشر عن ثمنها ، وقال زين العرب تبعًا للأشرف وغيره: البيع والشراء يطلق كل واحد منهما على الآخر لارتباطه به ، وعبر بلفظ البيع والشراء عن ترك حالة وكسب أخرى كترك البائع ما في يده إيثارًا لما في يد المشتري ؛ فمن صرف نفسه عن مقتضاها وآثر آخرته على دنياه واشترى نفسه بالآخرة فقد أعتقها عن اليم عقابه ، ومن آثر الدنيا على الآخرة واشتراها بها فقد أوبق نفسه ، أي أهلكها بأن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت