التي لا تصلح للعزة بالمرة ، ثم زاد عليه بأنه نزل منها وعرف الناس به بإظهار نسبه وحسبه المتضمن لكمال التعريف المنافي عادة لمقام التخويف ، وما ذاك إلا لقوّة قلبه وتوكله على ربه واعتماده على عصمته بمقتضى وعده حيث قال تعالى: 16 ( { والله يعصمك من الناس } ) [ المائدة 67 ] وبموجب حكمه حيث قال: 16 ( { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله } ) [ التوبة 33 ] ( متفق عليه ) .
( وعن أنس رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي فقال: يا خير البرية ) بتشديد الياء ، ويجوز تسكينها وهمز بعدها ، ومعناها الخليقة ؛ ففي النهاية يقال: برأه الله يبرأ برأ أي خلقه ويجمع على البرايا والبريات من البري وهو التراب إذا لم يهمز ، ومن ذهب إلى أن أصله الهمزة أخذه من برأ الله الخلق يبرأهم أي خلقهم ثم ترك فيها الهمز تخفيفًا ولم تستعمل مهموزة قلت: بل المهموزة مشهورة متواترة قرأ بها الإمام نافع وابن ذكوان عن ابن عامل على الأصل والباقون بإبدال الهمزة ياء وإدغامها في الياء تخفيفًا ( فقال رسول الله: ) أي تواضعًا لربه وأدبًا مع جده (( ذاك ) ) أي المشار إليه الموصوف بخير البرية (( هو إبراهيم ) ) . قال النووي: فيه وجوه أحدها أنه قال هذا تواضعًا واحترامًا لإبراهيم عليه السلام لخلته وأبوّته ، وإلا فنبينا كما قال: ( أنا سيد ولد آدم ولا فخر ) ، وثانيها أنه قال هذا قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم ، فإن الفضائل يمنحها الله تعالى لمن يشاء فأخبر بفضيلة إبراهيم عليه السلام إلى أن علم تفضيل نفسه فأخبر به ، قلت: وفيه أنه يحتاج إلى معرفة تاريخ ليدفع التعارض به ، وثالثها أن المراد به أنه أفضل برية عصره ، فأطلق العبارة الموهمة للعموم لأنه أبلغ في التواضع ، قلت: ومآل هذا يرجع إلى الأوّل مع أن كون كل منهما أفضل برية عصره ليس فيه مزيد مزية قال: وفيه جواز التفاضل بين الأنبياء عليهم السلام قلت: لا دلالة عليه في كل من الوجوه الثلاثة ، نعم أفضلية نبينا ثابتة بأدلة صحيحة صريحة كاد أن تكون المسألة قطعية بل إجماعية ، منها حديث مسلم وأبي داود ( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ، وأوّل من ينشق عنه القبر ، وأوّل شافع وأوّل مشفع ) ومنها حديث الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي سعيد ( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وبيدي لولاء الحمد ولا فخر ، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي ، وأنا أوّل من تنشق عنه الأرض ولا فخر ، وأنا أوّل شافع وأوّل مشفع ولا فخر ) ،