فهرس الكتاب

الصفحة 4611 من 6013

أزل أزرعه ) ) أي الأرز (( حتى جمعت منه ) ) أي من ذلك الأرز أو من زرعه (( بقرًا وراعيها ) ) أي قيمتهما ، فاشتريتهما ، وهذا يدل على جواز تصرُّف الفضولي في مال الغير على وجه النصيحة وطريق الأمانة وإرادة الشفقة حيث استحسن ذلك منه فهو في حكم التقرير ، لا يقال: لعلّ هذا شرع من قبلنا ، فإنه قد ورد نظيره في زمانه حيث دفع قيمة كبش لبعض أصحابه فاشتراه بها فباعه بضعف ثمنه ، واشترى كبشًا آخر وأتى به مع قيمته فدعا له بالبركة (( فجاءني فقال: اتق الله ولا تظلمني وأعطني حقي ) ) ظاهر كلامه عنف لكن باطنه حقٌ ولطف (( فقلت: اذهب إلى ذلك البقر وراعيها ) ) ، قال الطيبي: ذلك إشارة إلى البقر باعتبار السواد المرئي كما يقال: ذلك الإنسان أو الشخص فعل كذا ، وأنت الضمير الراجع إلى البقر باعتبار الجنس (( فقال: اتق الله ولا تهزأ بي ) ) بالباء ، وفي نسخة بالنون ، ولعلّه توهّم أنه حصل له من كلامه لا تظلمني جزع مع إيهام قوله: اذهب إلى ذلك (( فقلت: إني لا أهزأ بك فخذ ذلك البقر وراعيها فأخذه ) ) أي مجموع ما ذكر ، وفي نسخة فأخذها أي كلّها (( فانطلق ) ) ، قال ميرك: عند قوله: حتى جمعت بقرًا وراعيها وقع في رواية الصحيح فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال وفيها ، فقلت له: كل ما ترى من الإبل والبقر والغنم والرقيق من أجرك ، وفيها فاستاقه فلم يترك شيئًا فدلّت هذه الرواية على أن قوله في الرواية المذكورة في المشكاة: (( جمعت بقرًا ) أنه لم يرد جمع البقر فقط ، وإنّما كان الأكثر الأغلب ، فذلك اقتصر عليه ، ووقع في بعض الروايات أنه دفع إليه عشرة آلاف درهم وهو محمول على أنها كانت قيمة الأشياء المذكورة ، قلت: ولا بدع أن الدراهم من زوائد الفوائد منضمة إليها فإن البركة توافي (( فإن كنت تعلم إني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج ما بقي ) ) أي من إطباق الباب (( ففرج الله عنهم ) ) فإن قلت: رؤية الأعمال نقصان عند أهل الكمال فما بال هذه الأحوال قلت: فكأنهم توسلوا بما وقع له تعالى معهم من توفيق العمل الصالح المقرون بالإخلاص على أنه ينجيهم من مضيق الهلاك إلى قضاء الخلاص ، فكأنهم قالوا: كما أنعمت علينا بمعروفك أوّلًا فأتم علينا فضلك ثانيًا فإنا لا نستغني عن كرمك أبدًا ، قال النووي: استدل أصحابنا بهذا على أنه يستحب للإنسان أن يدعو في حال كربه وفي الاستسقاء وغيره ويتوسّل بصالح عمله إلى الله تعالى ، فإن هؤلاء فعلوه واستجيب لهم ، وذكره النبي في معرض الثناء عليهم وجميل فضائلهم ، وفيه فضل بر الوالدين وإيثارهما على من سواهما من الأهل والولد ، وفيه فضل العفاف والانكفاف عن المحرّمات لا سيما بعد القدرة عليها ، وفيه إثبات كرامات الأولياء وهو مذهب أهل الحق ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت