جمع جند أي جموع (( مجندة ) ) بفتح النون المشددة أي مجتمعة متقابلة أو مختلطة منها حزب الله 16 ( { ألا إن حزب الله هم المفلحون } ) [ المجادلة 22 ] ومنها حزب الشيطان 16 ( { ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون } ) [ المجادلة 19 ] وفي قوله تعالى: 16 ( { ولله جنود السموات والأرض } ) [ الفتح 4 ] إشارة إلى أن الجندين أحدهما علوي الهمة والآخر سفلي النهمة (( فما تعارف منها ) ) التعارف جريان المعرفة بين اثنين والتناكر ضده أي فما تعرف بعضها من بعض قبل حلولها في الأبدان (( ائتلف ) ) بهمزة وصل ثم همزة ساكنة تبدل ألفًا في الوصل جوازًا وتبدل ياء حال الابتداء وجوبًا أي حصل بينهما الإلفة والرأفة حال اجتماعهما بالأجساد في الدنيا (( وما تناكر منها ) ) أي في عالم الأرواح (( اختلف ) ) أي في عالم الأشباح ، والأفراد والتذكير في الفعلين باعتبار لفظ ما ، والمراد منه بطريق الإجمال والله أعلم بحقية الحال . إن الأرواح البشرية التي هي النفوس الناطقة مجبولة على مراتب مختلفة وشواكل متباينة ، وكل ما شاكل منها في عالم الأمر في شاكلته تعارفت في عالم الخلق وائتلفت واجتمعت ، وكل ما كان على غير ذلك في عالم الأمر تناكرت في عالم الخلق ، فاختلفت وافترقت . فالمراد بالتعارف ما بينهما من التناسب والتشابه ، وبالتناكر ما بينهما من التنافر والتباين ، فتارة على وجه الكمال وتارة على وجه النقصان ، إذ قد يوجد كل من التعارف والتناكر بأدنى مشاكلة بينهما إما ظاهرًا وإما باطنًا ، وتحقيقه بطول وتخاف من أعراض الملول واعتراض الفضول . هذا وقيل: هذا الاجتماع كان يوم الميثاق فمن تقابل منهم اثنان يومئذ يأتلفان في الدنيا غاية المؤالفة ومن تدابر منهم شخصان يختلفان في نهاية المخالفة ، ومن وقع في الاجتناب له مشاركة من مشاكلة كل باب كالمنافقين وأشباههم مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ثم لا يمنع من هذا التعارف والتناكر وصلة الأجانب وشجنة الأقارب . %(
كانت مودة سلمان له نسبًا %
ولم يكن بين نوح وابنه رحم )%
ولا يدفعه بعد الدار ولا يجمعه قرب المزار . %(
مناسبة الأرواح بيني وبينها %
وإلا فأين الترك من ساكني نجد )%
قال حكيم: أقرب القرب مودة القلب ، وإن تباعد جسم أحدهما من الثاني ، وأبعد البعد تنافر التداني ، وفي النهاية قوله: ( جنود مجندة ) أي مجموعة ، كما يقال ألوف مؤلفة وقناطير مقنطرة ، ومعناه الإخبار عن مبدأ كون الأرواح وتقدمها الأجساد أي أنها خلقت أول خلقتها على قسمين من ائتلاف واختلاف كالجنود المجندة المجموعة إذا تقابلت وتواجهت ، ومعنى تقابل الأرواح ما جعلها الله عليها من السعادة والشقاوة والأخلاق في مبدأ الخلق . يقول: ( إن الأجساد التي فيها الأرواح تلتقي في الدنيا فتأتلف وتختلف على حسب ما خلقت عليه ، ولهذا