فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فقام ، ثم قال له: أدبر فأدبر ، ثم قال له: أقبل فأقبل ، ثم قال له: اقعد فقعد ) ) ظاهر الحديث أنه خلق مجسدًا مجسمًا كما يخلق الموت على صورة كبش يذبح بين الجنة والنار ، أو المراد بالقيام والقعود والإقبال والإدبار أمور معنوية حاصلة منه ناشئة عنه باعتبار اختلاف أرباب العقول ، ولعل القيام كناية عن الظهور والقعود عن خفائه ، والإقبال عن توجهه إلى شيء ، والإدبار عن إعراضه عنه بحسب ما تعلق به المشيئة والإرادة الأزلية . قال الطيبي: المجموع كناية عن أن العقل هو محل التكليف ، وإليه ينتهي الأوامر والنواهي ، وبه يتم غرض خلق المكلفين من العبادة التي ما خلقت السموات والأرض إلا لأجلها ، ويدل عليه ما بعده ، قلت: الصواب وضع الحكمة موضع الغرض لأن أفعاله تعالى لا تعلل بالأغراض ، ( ثم قال له: ما خلقت خلقًا هو خير منك ) ) أي في حد ذاته ، فإنه جوهر شريف يحتاج إليه الوضيع والشريف ، ومن جملة الدلالة على كماله أن كل أحد يغضب من نسبة فقده أو نقصانه إليه (( ولا أفضل منك ) ) لحصول الفضائل والفواضل وزيادة العبادات والدرجات به (( ولا أحسن منك ) ) أي في حسن المعاشرة وتحسين المعاملة (( بك ) ) أي بسببك أو بقدرك (( آخذ ) ) أي العبادات من عبادي (( وبك أعطى ) ) أي الثواب والدرجات (( وبك أعرف ) ) بصيغة المجهول أي ذاتًا وصفة وحكمًا (( وبك أعاتب ) ) أي على من أعاتب ، فإن المجنون ونحوه لا عتب عليه (( وبك الثواب ) ) أي وصوله حال الإقبال ، (( وعليك العقاب ) ) أي حصوله وقت الإدبار ، واعلم أن شرف العقل إنما هو لكونه سببًا للعلم المنتج للعمل المؤدي إلى السعادة الأبدية ، وسمي عقلًا لأنه يعقل صاحبه عما لا ينبغي كما يسمى نهية لأنه ينهي عن الفحشاء والمنكر ، وقال الراغب: العقل يقال: للقوّة المتهيئة لقبول العلم ، ويقال: للعلم الذي يستفيده الإنسان بتلك القوّة عقل . ولهذا قيل: %(
فإن العقل عقلان %
فمطبوع ومسموع )% %(
ولا ينفع مسموع %
إذ لم يك مطبوع )% %(
كما لا تنفع الشمس %
وضوء العين ممنوع )%
وإلى الأوّل أشار بقوله عليه السلام: ( ما خلق الله خلقًا أكرم عليه من العقل ) وإلى الثاني أشار بقوله: ( ما كسب أحد شيئًا أفضل من عقل يهديه إلى هدى أو يرده عن روى ، وهذا العقل هو المعنى بقوله تعالى: 16( { وما يعقلها إلا العالمون } ) [ العنكبوت 43 ] قلت: الظاهر أنه كما لا ينفع مسموع بلا مطبوع كذلك لا ينفع مطبوع بلا مسموع . ألا ترى أن الحكماء مع زعمهم أنهم أكبر العقلاء ما نفعهم مجرد عقولهم المطبوعة من غير متابعتهم للأنبياء ، وأقوالهم المسموعة . وقال تعالى: 16 ( { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم } )