ويقربني إلى الله زلفى (( قال: لا تغضب فردد ) ) أي الرجل السؤال ، وهو المشار إليه بذلك على ما في بعض النسخ (( مرارًا ) ) أي ثلاثًا أو مرة بعد أخرى رجاء أن يضم معه إيصاء آخر (( قال: لا تغضب ) ) ، قال بعض المحققين: الغضب من نزغات الشيطان يخرج به الإنسان عن حد الاعتدال صورة وسيرة حتى يتكلم بالباطل ، ويفعل المذموم شرعًا وعرفًا ، وينوي الحقد والبغض وغير ذلك من القبائح التي كلها من أثر سوء الخلق ، بل قد يكفر ؛ ولهذا قال: لا تغضب وأصر عليه مع إلحاح السائل مريدًا للزيادة أو التبديل فكأنه قال له: ( حسن خلقك ) ، وهو من جوامع الكلم ، فالحديث من بدائع الكلم ، ثم علاجه معجون مركب من العلم والعمل بأن يرى الكل من الله ، ويذكر نفسه إن غضب الله أعظم وفضله أكثر ، وكم خالف أمره ولم يغضب عليه ، ويتعوّذ ويتوضأ ويشغل نفسه بشيء . قال التوربشتي: قد كان مكاشفًا بأوضاع الخلق عارفًا بأدوائهم يضع الهنا موضع النقب ، يأمرهم بما هو أولى بهم فلما استوصاه الرجل وقد رآه مملوءًا بالقوّة الغضبية لم ير له خيرًا من أن يتجنب عن دواعي الغضب ويزحزح نفسه عنه . وقال القاضي: لعله لما رأى أن جميع المفاسد التي تعرض للإنسان وتعتريه إنما تعرض له من فرط شهوته واستيلاء غضبه ، والشهوة مكثورة [ بالنسبة ] إلى ما يقتضيه الغضب غير ملتفت إليها ، فلما سأله الرجل أن يشير إليه ما يتوسل به إلى التجنب عن القبائح والتحرز عن مظانها نهاه عن الغضب الداعي إلى ما هو أعظم ضررًا وأكثر وزرًا ، فإن ارتفاع السبب يوجب ارتفاع مسبباته لا محالة ، قلت: هو كلام حسن وبيان مستحسن ، إلا أن التحقيق أن مدار الغضب على شهوة النفس ، فإن الإنسان لا يغضب غضبًا مذمومًا إلا بتوهم فوت شهوة له أو بعد تحقق فوتها ، ولهذا ترى كل من كان شهوته أكثر كالملوك والأمراء يكون غضبه أكبر ويجب عنه الحذر ، ويؤيده الحديث الذي يليه . ( رواه البخاري ) ، وكذا أحمد والترمذي عن أبي هريرة وأحمد والحاكم عن حارثة بن قدامة ، ورواه ابن أبي الدنيا في ذم الغضب عن رجل ولفظه: ( لا تغضب فإن الغضب مفسدة ) . وفي رواية لابن أبي الدنيا والطبراني عن أبي الدرداء: ( لا تغضب ولك الجنة ) .
( وعنه ) أي عن أبي هريرة ( قال: قال رسول الله:( ليس الشديد ) ) أي القوي