فهرس الكتاب

الصفحة 4761 من 6013

من مجازاة السيئة بالسيئة ، فإنها حسن ، وإنما سميت سيئة في الآية للمشاكلة أو بالنسبة والإضافة إلى الأحسن والله أعلم . وما بعدها 16 ( { فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم } ) [ فصلت ، 34 35 ] 16 ( { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم } ) [ الأعراف 200 ] ففي الآية إشارة إلى أن العمل بها أكمل الأخلاق الإنسانية التي يعجز عنها أكثر الأفراد البشرية (( قال: ) ) أي ابن عباس بيانًا للخصلة (( الصبر عند الغضب ) ) ، قيل: المراد به غضب الغير ، فإنه سيئة منه ، فيقابله بالصبر الذي هو أحسن من مجازاته بالغضب ، ويمكن أن يكون المعنى أنه يصير عند أثر [ ظهور ] الغضب ، فإن كظم الغيظ أحسن من إمضائه (( والعفو ) ) أي عن المسيء (( عند الإساءة ) ) أي وقت تحققها ، والواو بمعنى أو فإن كلًا منهما من أفراد الخصلة التي هي أحسن ، وكأنه رضي الله عنه مثل بأقل المطلوب من السالك ، وإلا فالسادة الصوفية على المجازاة بأحسن ما يتصوّر له من أنواع الإحسان إليه من التواضع وتقبيل اليد والرجل وأمثال ذلك ، وبإعطاء البر المالي من قليل أو كثير ، وأقل المراتب أن يحلله ويدعو له بالتوبة والهداية ، وزاد بعضهم الوعد له بالشفاعة يوم القيامة ، وهذه كلها خوارق عادات تطوي بساط كرامات ربما يكون تحتها غرور في بدايات أو نهايات ، ولذا قالوا: ( الاستقامة خير من ألف كرامة ) ، وقد ورد: ( شيبتني سورة هود ، فقيل: لما فيها من آية 16( { فاستقم كما أمرت } ) [ هود 112 ] ، وقيل: لما فيها من وقائع الأمم ) والله أعلم . (( فإذا فعلوا ) ) أي ما ذكر من المثالين وأمثالهما (( عصمهم الله ) ) أي حفظهم من الزيغ والتعدي على أحبابهم (( وخضع لهم عدوّهم ) ) أي حياء منهم ورجعوا عن إساءتهم إليهم والغضب عليهم (( كأنه ) ) أي العدوّ ، ويستوي فيه المفرد والجمع ، (( ولي ) ) أي ناصرهم (( حميم ) ) صديق يهتم لأمرهم وحاجتهم ويحمم بحرارتهم وحرقتهم (( قريب ) ) أي ذو قرابة منهم . والحاصل أن هذه الخصلة التي هي أحسن تقلب العداوة محبة ، وترفع الأخلاق الذميمة من الحقد والحسد والغيبة ونحوها . قال الطيبي: هذا التفسير على أن تكون لا في قوله تعالى: 16 ( { ولا السيئة } ) [ فصلت 34 ] مزيدة ، والمعنى لا تستوي الحسنة والسيئة ، فعلى هذا يراد بالتي هي أحسن التي هي حسنة ، فوضع الأحسن ليكون أبلغ في الدفع بالحسنة ، وإذا لم تجعل ( لا مزيدة يكون المعنى والسيئة متفاوتتان في أنفسهما فخذ بالحسنة التي هي أحسن من أختها فإذا اعترضتك حسنات فادفع بها السيئة التي ترد عليك من بعض أعدائك ومثله:( رجل أساء إليك إساءة فالحسنة أن تعفو عنه ، والتي هي أحسن أن تحسن إليه مكان إساءته إليك ) مثل: ( أن يذمك فتمدحه ، فإنك إذا فعلت ذلك انقلب عدوك المشاق مثل الولي الحميم مصافاة لك ) . ( رواه البخاري تعليقًا ) أي بلا إسناد ، وتقدم أن ما علقه بصيغة المجهول ضعيف وما رواه بصيغة المعلوم صحيح والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت