ابتداء ظهور دولة الإِسلام وهي زمن هجرة خير الأنام وبانتهاء المدة تنقضي خلافة الخلفاء الثلاثة بلا خلاف بين الخاص والعام ، إذ بعدها مقتل عثمان رضي الله عنه ( أو ست وثلاثين ) وفيه قضية الجمل ( أو سبع وثلاثين ) وفيه وقعة صفين ، وأو فيها للتنويع أو بمعنى بل . فإن الأمر فيهما أهون مما بعدهما لا سيما أمر الإِسلام ونظام الأحكام وظهور الصحابة والعلماء الأعلام . ولهذا قال: ( فإن يهلكوا ) أي إن اختلفوا بعد ذلك واستهانوا في أمر الدين واقترفوا المعاصي ( فسبيل من هلك ) أي فسبيلهم سبيل من هلك من الأمم الماضية الذين زاغوا عن الحق في اختلافهم وزيغهم عن الحق ووهنهم في الدين . وسمى أسباب الهلاك والاشتعال بما يؤدّي إليه هلاكًا هذا مجمل الكلام . وأما تفصيل المرام فقال الخطابي: دوران الرحى ، كناية عن الحرب والقتال شبهها بالرحا الدوّارة التي تطحن الحب لما يكون فيها من تلف الأرواح وهلاك الأنفس . قال الشاعر: %(
* فدارت رحانا واستدارت رحاهم * )%
قلت: هو معنى ما قال غيره: %(
فيومًا علينا ويومًا لنا %
فيومًا نساء ويومًا نسر )%
وقال تعالى: 16 ( { وتلك الأيام نداولها بين الناس } ) [ آل عمران 140 ] . ثم الرحى وإن كان فيها ما ذكر من تلف الأرواح وهلاك الأنفس لكن فيها أيضًا قوة الأشباح وقوة الأرواح . قال التوربشتي [ رحمه الله ] : إنهم يكنون عن اشتداد الحرب بدوران الرحى ، ويقولون: دارت رحا الحرب ، أي استتب أمرها ولم تجدهم استعملوا دوران الرحا في أمر الحرب من غير جريان ذكرها ، أو الإشارة إليها . وفي هذا الحديث لم يذكر الحرب وإنما قال: رحى الإِسلام ، فالأشبه أنه أراد بذلك أن الإِسلام يستتب أمره ويدوم على ما كان عليه المدة المذكورة في الحديث . ويصح أن يستعار دوران الرحى في الأمر الذي يقوم لصاحبه ويستمر له ، فإن الرحى توجد على نعت الكمال ما دامت دائرة مستمرة . ويقال: فلان صاحب دارتهم إذا كان أمرهم يدور عليه ، ورحى الغيث معظمه . ويؤيد ما ذهبنا إليه ما رواه الحربي في بعض طرقه: تزول رحى الإِسلام مكان تدور ، ثم قال: كأن تزول أقرب ، لأنها تزول عن ثبوتها واستقرارها . وأشار بالسنين الثلاث إلى الفتن الثلاث ، مقتل عثمان رضي الله عنه وكان سنة خمس وثلاثين وحرب الجمل وكانت سنة ست وحرب صفين وكانت سنة سبع فإنها كانت متتابعة في تلك الأعوام الثلاثة . ( وإن يقم لهم دينهم ) أي وإن صفت تلك المدد ولم يتفق لهم اختلاف وخور في الدين وضعف في التقوى . ( يقم لهم سبعين عامًا ) تتمادى بهم قوّة الدين واستقامة أمره سبعين سنة . وقد وقع المحذور في الموعد الأول ولم يزل ذلك كذلك إلى الآن . قال الخطابي: أراد بالدين الملك . قال: ويشبه أن يكون أراد بهذا ملك بني أمية وانتقاله عنهم إلى بني العباس ، وكان ما بين استقرار الملك لبني أمية إلى أن ظهرت الدعاة بخراسان وضعف أمر