فهرس الكتاب

الصفحة 5382 من 6013

إلى ثواب الآخرة الباقية . وكان الواجب عليهم اهتمامهم بالسؤال عن حقائق كلمة التوحيد والمبدأ والمعاد والاعتناء بضبطها والسؤال عن واجباتها والموصلات إليها . ( فدخل ناس من أهل اليمن فقال: اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم . قالوا: قبلنا جئناك لنتفقه في الدين ) أي عملًا بقوله تعالى: 16 ( { فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } ) [ التوبة 122 ] . ولما كان نيتهم الصالحة خالصة للتفقه في الدين لا للطمع في الدنيا ، حصل لهم البشارة والقبول والعلم والعمل والوصول ، وحرم الأولون عن البشارة بل وعن العطاء في الحقارة ، ووقعوا في حضيض النذارة . فالهمة العالية هي الموصلة إلى المرتبة الغالية ، كما قدمناه في الحكاية المروية عن الشيخ أبي العباس المرسي: أنه خرج من المدينة المطهرة على قصد زيارة تربة الأمين حمزة المنورة ، وتبعه رجل ففتح لهما باب المقبرة على خرق العادة . ودخل الشيخ في محل الزيارة فرأى جماعة من رجال الغيب بريئة من النقصان والعيب . فعرف أنه ساعة الإجابة فطلب من الله العفو والعافية والمعافاة في الدنيا والآخرة . ثم قال للرجل الذي تبعه ملتفتًا إليه ، رحمة وشفقة عليه: يا أخي أطلب من الله تعالى ما تريد فإن الآن وقت الإجابة والمزيد . فسأل الله تعالى دينارًا ولم يذكر جنةً ولا نارًا فرجعا . ولما وصلا باب المدينة أعطى الرجل دينارا أحد من أهل السكينة فدخلا كلاهما على القطب الولي السيد أبي الحسن الشاذلي ، وقد كشف له القضية . فقال للرجل: أيا دني الهمة تدرك وقت الإِجابة وتطلب قطعة دينار دنية فهلا طلبت كأبي العباس العفو والعافية ليكونا لأمر دينك ودنياك كافية ووافية . ثم ما أحسن طريق سؤالهم من الابتداء في أول حالهم الدال على كمال مآلهم حيث قالوا: ( ولنسألك ) أي وجئناك لنسألك ( عن أول هذا الأمر ) أي أمر الخلق ومبدأ العالم . ( ما كان ) أي أي شيء كان أول هذا . قال الطيبي [ رحمه الله ] : ما في ما كان استفهامية ، أي أي شيء كان أول الأمر ، وكرر السؤال لمزيد الاهتمام بالأمر . ( قال: كان الله ) أي في أزل الآزال كما هو كائن إلى أبد الآباد بلا وصف التغير والحدوث على ما هو نعت العباد ، فإن ما ثبت قدمه استحال عدمه . ( ولم يكن شيء قبله ) أي لأنه خالق كل شيء وموجده فلا يتصور وجود موجود ممكن قبل الموجد الواجب الوجود . وحاصله أنه تعالى الأول الذي هو قبل كل شيء ولا شيء قبله ، فكرر الجواب على طريق السؤال مطابقة في الاهتمام بالحال . وخلاصته أنه أول قديم بلا ابتداء ، كما أنه آخر كريم بلا انتهاء . قال الطيبي [ رحمه الله ] قوله: ولم يكن شيء قبله ، حال . وعلى مذهب الكوفي خبر . والمعنى يساعده ، إذ التقدير كان الله في الأزل منفردًا موحدًا ، وهو مذهب الأخفش فإنه جوز دخول الواو في خبر كان وأخواتها نحو ، كان زيد وأبوه قائم على جعل الجملة خبرًا مع الواو وتشبيهًا للخبر بالحال . أقول ولما كان السؤال عن الأول فبين لهم الأولية الأزلية ، ونفى لغيره القبلية ، ولم يتعرض لمعنى المعية . ولهذا وقع في عبارة السادة الصوفية: كان الله ولم يكن معه شيء . ثم قالوا: والآن على ما عليه كان . لأن وجود الشيء الممكن في جنب وجود الواجب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت