فهرس الكتاب

الصفحة 5459 من 6013

فخر ) أي ولا أقوله تفاخرًا ، بل اعتدادًا بفضله وتحدثًا بنعمته وتبليغًا لما أمرت به . وقيل: لا أفتخر بذلك ، بل فخري بمن أعطاني هذه المرتبة . أقول: ويمكن أن يكون المعنى ولا فخر لي بهذه السيادة ، بل أفتخر بالعبودية له والعبادة ، فإنه يوجب الحسنى والزيادة . قال الطيبي: قوله: ولا فخر ، حال مؤكدة ، أي أقول هذا ولا فخر . قال التوربشتي: الفخر ادعاء العظمة والمباهاة بالأشياء الخارجة عن الإِنسان كالمال والجاه . قال النووي: فيه وجهات أحدهما قاله امتثالًا لأمر الله تعالى: 16 ( { وأما بنعمة ربك فحدث } ) [ الضحى 11 ] . وثانيهما أنه من البيان الذي يجب عليه تبليغه إلى أمته ليعرفوه ويعتقدوه ويعملوا بمقتضاه في توقيره ، كما أمرهم الله تعالى به . قال الراغب: فإن قلت: كيف استحسن مدح الإنسان نفسه وقد علم في الشاهد استقباحه ، حتى قيل للحكيم: ما الذي لا يحسن وإن كان حقًا . قال: مدح الرجل نفسه . قلنا: قد يحسن ذلك عند تنبيه المخاطب على ما خفي عليه من حاله ، كقول المعلم للمتعلم: اسمع مني فإنك لا تجد مثلي . وعلى ذلك قول يوسف عليه السلام: 16 ( { اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم } ) [ يوسف 55 ] . وسئل بعض المحققين عن شيء لم يقبح إطلاقه في الله تعالى ، مع ورود الشرع فأنشد: %(

ويقبح من سواك الشيء عندي %

وتفعله فيحسن منك ذاكا )%

قال الشيخ أبو حامد في الإحياء: قال عمر رضي الله عنه: المدح هو الذبح . وذلك لأن المذبوح هو الذي يفتر عن [ عن ] العمل ، فكذلك الممدوح . لأن المدح يوجب الفتور ويورث الكبر والعجب . وهو لذلك مهلك كالذبح . فإن سلم المدح عن هذه الآفات لم يكن به بأس ، بل ربما كان مندوبًا إليه . ولذلك أثنى رسول الله على الصحابة ، وكانوا أجل رتبة من أن يورثهم ذلك كبرًا أو عجبًا ، بل يزيدهم جدًا يبعثهم أن يزيدوا فيما يستوجبون الحمد من مكارم الأخلاق . قلت: ونظيره العالم أو الشيخ إذا أثنى عليه تلميذه أو مريده القابل العاقل بمحضر جماعة ، فإنه لا شك أن يكون سببًا لزيادة رغبتهما في المجاهدة وتحصيل أعلى مراتب العلم والعبادة . نعم يقع نادرًا ممن يكون فيه البلادة حيث يحصل له الفتور المؤدي إلى مقام القصور فيتوقف عن طلب الزيادة ، فنعوذ بالله من الحور بعد الكور والنقصان بعد الزيادة . وقد قيل: من لم يكن في زيادة فهو في نقصان . ومن استوى يوماه فهو مغبون زمان . ففي الحديث: منهومان لا يشبعان . وقال تعالى: 16 ( { وقل رب زدني علمًا } ) [ طه 114 ] . وفي النهاية: قاله اخبارًا عما أكرمه الله تعالى من الفضل والسؤدد وتحدثًا بنعمة الله تعالى عنده وإعلامًا منه ليكون إيمانهم به على حسبه وموجبه ، ولهذا أتبعه بقوله: ( ولا فخر ) أي أن هذه الفضيلة التي نلتها كرامة من الله تعالى ، لم أنلها من قبل نفسي ولا نلتها بقوّتي ، فليس لي أن أفتخر بها . ( وبيدي ) أي بتصرفي وعندي يوم القيامة في المقام المحمود . ( لواء الحمد ) اللواء بالكسر والمد العلم ، وفي العرصات مقامات لأهل الخير والشر ينصب في كل مقام ، لكل متبوع لواء يعرف به قدوة حق كان أو أسوة [ باطل ] ، وأعلى تلك المقامات مقام الحمد . ففي النهاية: اللواء الراية ، ولا يمسكها إلا صاحب الجيش . يريد به انفراده بالحمد يوم القيامة وشهرته على رؤوس الخلائق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت