صفة ثانية مؤكدة للأولى أو صفة كاشفة لها ، وقيل: الذي لا يجري بشيء من تبنة وغيرها ، وفي معنى الجاري الماء الكثير وهو العشر في العشر عندنا ، ومقدار قلتين عند من يقول به ( ثم يغتسل فيه ) ) الرواية بالرفع ، أي لا يبل ثم هو يغتسل فيه فيغتسل خبر لمبتدأ محذوف عطف الجملة على جملة ( لا يبولن ) ، وذكر ابن مالك النخوي أنه يجوز أيضًا جزمه عطفًا على موضع ( لا يبولن ) ، ونصبه بإضمار أن وإعطاء ( ثم ) حكم واو الجمع ، أما الجزم فظاهر ، وأما النصب فلا يجوز لأنه يقتضي أن المنهي عنه الجمع بينهما دون إفراد أحدهما وهذا لم يقله أحد ؛ بل البول فيه منهي سواء أراد الإغتسال فيه أو منه أم لا كذا نقله السيد عن التخريج ، قيل: فيه نظر لجواز أن يكون مثل قوله تعالى: 16 ( { ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق } ) [ البقرة 42 ] والواو للجمع ، والمنهي هنا الجمع والإفراد بخلاف قولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن قاله ميرك . وفيه أنه لما احتمل احتمالين لا يحمل عليه لفساد المعنى إلا باعتبار أحد الإحتمالين مع أن التحقيق أن النصب إنما يفيد منع الجمع ، وأما منع إفراد أحدهما فيؤخذ من الخارج .
وقال البيضاوي: ( ثم يغتسل ) عطف على الصلة ، وترتيب الحكم على ذلك يدل على أن الموجب للمنع أنه يتنجس فلا يجوز الإغتسال به ، وتخصيصه بالدائم يفهم منه أن الجاري لا يتنجس إلا بالتغير . قال ابن حجر: وفيه نظر إذ عطف ( يغتسل ) على ( يجري ) بعيد جدًا إذ يصير تقديره نهي عن البول في الماء الذي لا يجري ثم الذي يغتسل فيه ، وهذا فيه ركة في المعنى وإيهام خلاف المراد لأنه لا يصير النهي على حقيقته من الحرمة إذ المنهي عنه حينئذ الغسل بعد البول لا البول من غير غسل ، وهو خلاف ما حمله عليه الأئمة ويلزمه فرض ذلك في ماء قليل راكد إذ هو المتأثر بالبول فيه وإن لم يتغير ، والأظهر عطفه على ما مر و ( ثم ) بحالها فيكون المنهي عنه شيئين البول فيه مطلقًا والغسل فيه مطلقًا ، وكل من هذين جاء النهي عنه صريحًا في مسلم كما يأتي . والنهي عن كل منهما تارة يكون للتنزيه وتارة يكون للتحريم . ا ه . قيل: الظاهر أنه عطف على ( يبولن ) ويكون ( ثم ) مثل الواو في لا تأكل السمك وتشرب اللبن ، أو مثل الفاء في قوله تعالى: 16 ( { لا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبى } ) [ طه 81 ] أي لا يكن من أحد البول في الماء الموصوف ، ثم الإغتسال فثم إستبعادية ، أي بعيد من العاقل ذلك ، أي الجمع بين هذين الأمرين . فإن قلت: علام تعتمد في نصب ( يغتسل ) حتى يتمشى لك هذا المعنى ؟ قلت: إذا قوي المعنى لا يضر الرفع لأنه من باب * أحضر الوغي * كذا ذكره الطيبي ، وقد سبق نقل المغني فاستحضره فإن الطالب به يستغني ( متفق عليه ، وفي رواية لمسلم ) أي له روايتان أحدهما متفق عليها وثانيهما هذه قاله الطيبي . ( قال: لا يغتسل )