فهرس الكتاب

الصفحة 865 من 6013

( قال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ) إذ لا عذر لكما حينئذ قاله الطيبي . يعني أهل المدينة يعرفون حرمة مسجده عليه السلام أكثر من غيرهم فلا يسامحون مسامحة الغرباء ، إذ يمكن أن يكونوا قريبي العهد بالإسلام وبمعرفة الأحكام . قال ميرك: وزاد الإسماعيلي جلدًا ، أي ضربًا بالجلد . ومن هذه الجهة تبين كون هذا الحديث له حكم الرفع ، لأن عمر لا يتوعدهما بالجلد إلا على مخالفة أمر توفيقي . ( ترفعان ) جملة مستأنفة للبيان ، وقيل: جواب عن سؤال مقدر كأنهما قالا: لم توجعنا . قال: لأنكما ترفعان . وقوله: ( أصواتكما ) قال المالكي: المضاف المثنى ، معنى إذا كان جزء ما أضيف إليه يجوز افراده . نحو أكلت رأس شاتين ، وجمعه أجود ، نحو صغت قلوبكما . والتثنية مع أصالتها قليلة الاستعمال وإن لم يكن جزءه فالأكثر مجيئه بلفظ التثنية ، نحو سل الزيدان سيفيهما ، وإن أمن اللبس جاز جعل المضاف بلفظ الجمع ، كما في يعذبان في قبورهما . كذا نقله ميرك . وفيه أن المراد بالأصوات هنا الجمع حقيقة ، إذ لكل حرف صوت كما هو مقرر في محله . ( في مسجد رسول الله ) . أي خصوصًا إذ مع شرافته ، له زيادة مزية أنه عليه السلام في قبره حي . وقال تعالى: 16 ( { لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي } ) [ الحجرات 3 ] . قال النووي: يكره رفع الصوت في المسجد بالعلم وغيره . وقال ابن حجر: سئل مالك عن رفع الصوت في المسجد بالعلم فقال: لا خير فيه بعلم ولا بغيره . ولقد أدركت الناس قديمًا يعيبون ذلك على من يكون بمجلسه . وأنا أكره ذلك ولا أدري فيه خيرًا . قال ابن حجر: وقد روى ابن أبي شيبة عن عمر أنه سمع رجلًا رافعًا صوته في المسجد فقال: أتدري أين أنت . قال: وقال قوم: لا كراهة فيه . منهم أبو حنيفة . واحتجوا بما مر في الوضوء من قوله عليه السلام: ( ويل للأعقاب من النار ) ورد بأنه ليس في الحديث أنهم كانوا في المسجد بل سياقه صريح في أنهم كانوا في غير المسجد . نعم صح عن كعب بن مالك وابن أبي حدرد في دين له عليه أنهما ارتفعت أصواتهما في المسجد ، ولم ينكر عليهما عليه السلام . وقال: ضع من دينك الشطر . وقد يجاب بأنه عليه السلام ترك الإنكار لبيان الجواز ، فلا يدل على انتفاء الكراهة ، ا ه كلامه . وفيه نظر من وجوه . منها نسبة نفي مطلق الكراهة إلى الإمام الأعظم ، وهو افتراء عليه إذ مذهبه كراهة رفع الصوت في المسجد ولو بالذكر . نعم جوّز التدريس في المسجد والبحث فيه حيث لم يشوّش على المصلين ، أو لم يكن هناك مصلون . ومنها إسناد الإحتجاج إليه بالحديث المذكور ، فإنه لو فرض كونه في المسجد لا دلالة فيه على نفي الكراهة مطلقًا ، إذ ليس فيه ما يشعر برفع الصوت . وعلى التسليم نهي المنكر في المسجد ولو برفع الصوت لا يكره إجماعًا ، ومنها جوابه عن حديث كعب فإنه لا يخلو عن بعد ، والأقرب أن يحمل على ما قبل نزول قوله تعالى: 16 ( { لا ترفعوا أصواتكم } ) الآية . ( رواه البخاري ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت