قسم آخر ، والمقسم به مقدر . وإما قول ابن حجر: المقسم عليه لآتين فخطأ نشأ من عدم تصحيح الأصل ، فإنه في النسخ المصححة: ولآتين بالواو . ( فلأخبرنه . فأتى رسول الله فقال: يا رسول الله إنّا أصحاب نواضح ) جمع ناضحة أنثى ناضح ، وهي الإبل التي يستقى عليها للشجر والزرع ( نعمل بالنهار ) أي نكدّ فيه بعمل الزراعة لأجل أمر المعاش الذي يتوسل به إلى أمر المعاد . وأما قول ابن حجر: وذلك عمل مشق جدًا ولو بعض النهار ، فكيف ونحن نعمل ذلك بالنهار جميعه ، فغير مقبول لعدم دلالة في الحديث عليه ( وإن معاذًا صلى معك العشاء ثم أتى ) أي قومه كما في نسخة صحيحة ( فافتتح بسورة البقرة ) يحتمل أنه أراد معاذ أن يقرأ بعضها ويركع ، فتوهم المقتدي أنه أراد إتمامها فقطع صلاته ، فعاتب رسول الله على إيهامه ذلك ، فإنه سبب للتنفير . ونظير ذلك وقع لخواجه كله كوى وهو من مشايخ خراسان وكان مترافقًا مولانا جامي في سفر الحج ، وكان من عادته إطالة القراءة خصوصًا في صلاة الصبح . فيومًا من الأيام وهما في برية فيها برد شديد دخلا في صلاة الفجر ، فابتدأ بسورة الفتح فاضطرب المقتدي اضطرابًا قويًا . فلما قرأ ثلاث آيات ركع وعد هذا من ملاطفاته ومطايباته . وفي المصابيح: إن معاذًا صلى بنا البارحة أي الليلة الماضية فقرأ البقرة فتجوّزت أي من صلاتي ، يعني اختصرتها وخففتها ، وقيل: ترخصت بترك المتابعة ، وقيل من الجوز بمعنى القطع ، وهذا يدل على أن المأموم إذا عرض له أمر ، له أن يخرج من إمامة الإمام ويتمها لنفسه بالإستئناف . ( فزعم ) على بناء المفعول أي زعم الناس . ( أني منافق . فأقبل رسول الله على معاذ ) إقبال إعراض ، قال ابن حجر: يحتمل أنه أي الرجل ذهب إليه عليه السلام في تلك الساعة فتبعه معاذ . ويحتمل أنه ذهب إليه غدوة ومعاذ حاضر . قلت: ويحتمل أنه ذهب إليه ليلًا أو نهارًا وذكر له ، ولما حضر معاذ أقبل إليه عليه السلام ( فقال: يا معاذ ) خطاب عتاب ( أفتَّان ) أي أمنفِّر ( أنت ) وموقع للناس في الفتنة . قال الطيبي: استفهام على سبيل التوبيخ وتنبيه على كراهة صنعه لأدائه إلى مفارقة الرجل الجماعة . فافتتن به . في شرح السنة: الفتنة صرف الناس عن الدين وحملهم على الضلالة . قال تعالى: ما أنتم عليه بفاتنين ، أي بمضلين ( اقرأ والشمس وضحاها ) أي في الركعة الأولى ( والضحى ) أي في الركعة الثانية ، كما دل عليه فعله عليه السلام . ( والليل إذا يغشى وسبح اسم ربك الأعلى ) الواو فيه لمطلق الجمع فلا إشكال ، أو بمعنى اقرأ هذه السورة وأمثالها من أوساط أوساط المفصل . وفيه دلالة على سنية تخفيف الإمام للصلاة ، وأن يقتدي بأضعفهم . قال ابن حجر: يحتمل مع كل أن الأولى للركعة الأولى ، والثانية للثانية . وحينئذ يكون لبيان الجواز لأن السنة عندنا كون السورتين متواليتين ، والقراءة على ترتيب المصحف وخلافه ، قيل: مفضول ، وقيل: خلاف الأولى . قال أئمتنا: فلو قرأ في الركعة الأولى ، قل أعوذ برب الناس ، قرأ في الثانية أوائل