وهذا الحفظ له وجوه متعددة، منها: أن يعتمد الإنسان على حفظ الصحيح مجردًا، وهذا جانب مهم أيضًا، ويكفي في هذا أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قدر الله عز وجل لهم ذلك الأمر حيث أنهم حفظوا الصحيح وما عرفوا غيره فنقلوه، فاختصهم الله عز وجل بالنقي وترك الخليط لمن جاء بعدهم، وهذا فضل لا ينكره أحد، أي: من يختص بحفظ الحديث الصحيح مجردًا. ولكن نقول: إن حفظ الحديث الصحيح مجردًا من غير حفظ الضعيف لا تكون تلك المنزلة موجودة إلا في حال عدم وجود الضعيف، بأن يكون الضعيف معدومًا، فإذا كان معدومًا فحفظ الصحيح في ذلك تكون المنزلة فيه عظيمة، وأما في حال اجتماع الصحيح مع الضعيف فإن المنزلة في حفظ الاثنين أولى، ولهذا لا يمكن للإنسان أن يميز الصحيح من الضعيف إلا بمعرفة الاثنين، وهذا ما يسميه العلماء بمعرفة الدراية والرواية للسنة. الرواية هي التحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام سواء عرف الحديث أصحيحًا أم ضعيفًا، أما بالنسبة للدراية فيدخل في ذلك ما يسمى بأبواب العلل وقواعد الحديث، ويدخل في شقه الآخر ما يسمى فقه سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وكلها داخلة في هذا الأمر، وما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام موصوف بالوحي، لقول الله جل وعلا: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3 - 4] ، وكذلك موصوف بالتلاوة والكتاب, ولقول النبي عليه الصلاة والسلام: (لأقضين بينكما بكتاب الله) ، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني، وموصوف بالتلاوة كما في قول الله جل وعلا: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [العنكبوت:49] .