القرينة السادسة من قرائن رفع الجهالة: هي نوع الرواية، فالروايات تختلف، وذكرنا سابقًا ما يتعلق بعدد المرويات وأن بعض الرواة لديه خمس روايات، وبعضهم لديه واحدة، وبعضهم لديه اثنتان، ومدى الاستفادة من هذا، وكذلك نوع الرواية لها أثر على المجهول، ومعنى نوع الرواية: أن بعض الروايات ثقيلة، ومعنى ثقيلة: أنها تكون من المسائل الكبيرة في أحكام الدين ثم يرويها هذا المجهول! هذا يدعوا إلى النفرة منه إذا تفرد بها، بينما لو تفرد راو مجهول بحديثين أهون من تفرد واحد في المسائل المشهورة ولم يوافقه عليها أحد، فهذا يقال برد روايته لثقل تلك الرواية، وذلك يقال بقبول روايته والسبب في ذلك هو لاستقامة تلك الروايات، لهذا لابد أن ننظر إلى المتن. هذا الحديث الذي معنا في رواية أبي بكر العنسي، أبو بكر العنسي مجهول يروي عن يزيد بن أبي حبيب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا الحديث الذي رواه يروي عنه اثنان: يروي عنه بقية و يحيى، ويروي هذا الحديث وتفرد به أن سجود السهو لا يكون إلا فيمن قام من جلوس أو جلس من قيام، فهل هذا التفرد تفرد في أصل أو في مسألة يسيرة؟ إنه تفرد في أصل، وهل يقال برد الحديث أم بقبوله؟ نقول برد الحديث، وهل نجزم بأن هذا الراوي متهم في هذا الحديث؟ نجزم أنه متهم بهذا الحديث ونقول بأن الرواية في هذا الحديث -لتفرد أبي بكر العنسي- لا تقبل ممن ظهرت عدالته لوجود من هو أعدل منه وأكثر عددًا واستفاضت الطرق بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن السهو يكون في غير القيام وغير الجلوس وحصره في ذلك خطأ مجزوم به، ولهذا لو قيل في أبي بكر العنسي متروك الحديث ولم يكتف بالحكم بجهالته لما كان ذلك بعيدًا وكان سائغًا للناقد، لأنه تفرد بهذا.