وهل يقبل ذلك في أحاديث الفضائل أم لا؟ نقول: إن العلماء عليهم رحمة الله في أحاديث الفضائل لا يتسامحون كما يتسامح المتأخرون، وإن كان لديهم مبدأ التساهل والتيسير بخلاف الأحكام، ونستطيع أن نقول: إن مرتبة الأئمة الأوائل في التعامل مع حديث الفضائل هي مرتبة وسط بين تعامل المتقدمين في أحاديث الأحكام، وبين تعامل المتأخرين في أحاديث الفضائل، وربما تشبه عند بعض الأئمة تعاملهم في أحاديث الأحكام فإنهم يتساهلون في أحاديث الأحكام أعني المتأخرين، بما يشبه طريقة العلماء الأوائل في أحاديث فضائل الأعمال. فالعلماء في أحاديث فضائل الأعمال يجمعون على التيسير فيها وعدم التشديد، على تباين بين المنهجين في شدة التيسير في ذلك، ولا خلاف عندهم في هذا، نعم يحكى عن بعض الأئمة كيحيى بن معين عليه رحمة الله الرد في ذلك كله، ولكن نقول: إنه جاء عن يحيى بن معين في ذلك روايتان، ويحمل ما وافق الأئمة في ذلك من أمر التساهل، والأئمة حتى المتقدمين كسفيان الثوري، و يحيى بن سعيد القطان، و وكيع وغيرهم من الأئمة يتساهلون في رواية أحاديث الأحكام، وما ضابط ذلك؟
الأئمة عليهم رحمة الله لهم جملة من الضوابط نستطيع أن نجملها فيما يلي: أولًا: أن يدل على ذلك الحديث أصل، إما أن يأتي في حديث ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو جاء بأحاديث مستفيضة موقوفة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان فضل عمل من الأعمال، وذلك أن الصحابة عليهم رضوان الله لا يمكن أن يجتمعوا على شيء ويقولوا بسنيته ويكون ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على خلافه. ولهذا نقول: إن حديث الفضائل إذا جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهة ذلك العمل ابتداءً في ذاته ثم جاء الفضل مستقلًا ضعيفًا نقول: لا بأس بذلك؛ لأن أصل التشريع موجود.