وأيضًا يظهر أن البخاري رحمه الله يعل هذا الحديث، وقد ترجم في كتابه الصحيح فقال: باب النظر إلى الإمام في الصلاة، وهذا يخالف معنى الحديث الذي جاء في وضع المصلي بصره في موضع سجوده، ومراده في نظر المصلي إلى الإمام في الصلاة أن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى كانوا يرمقون صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويصفونها، ولو كانوا ينظرون إلى مواضع سجودهم لما عرفوا حال النبي في صلاته، فهم يعلمون حال النبي عليه الصلاة والسلام بمعرفة قراءته باضطراب لحيته عليه الصلاة والسلام، وهذا لا يمكن أن يكون من الإنسان إلا في حال التأمل. ولهذا ذهب بعض الفقهاء إلى أن الإنسان ينظر إلى قبلته، وهذا قول الإمام مالك رحمه الله، خلافًا لقول جمهور الفقهاء من الشافعية والحنفية والحنابلة، إلى أن الإنسان ينظر إلى موضع سجوده، وهذه المسألة أيضًا من مواضع الخلاف عند الفقهاء من السلف، وإن كان أكثرهم يرى أن النظر إلى موضع السجود هو الأولى.
والحديث الثاني في هذا: هو حديث عائشة عليها رضوان الله (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صلى في الكعبة لم يجاوز بصره موضع سجوده) .هذا الحديث رواه الحاكم في مستدركه، ورواه عنه البيهقي في كتابه السنن، من حديث أحمد بن عيسى عن عمرو بن أبي سلمة التنيسي عن زهير بن محمد عن موسى بن عقبة عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عبد الله بن عمر عن سالم بن عبد الله عن عائشة عليها رضوان الله. وهذا الحديث مما أعل واستنكر على زهير بتفرد عمرو التنيسي عنه، وقد تقدم معنا شبيه بهذه العلة، تذكر هذه العلة، فهذه من علل الشاميين، فالحديث من طريق أحمد بن عيسى عن عمرو بن أبي سلمة عن زهير بن محمد، ورواية الشاميين عن زهير منكرة.