ووجه الإشارة في هذا: أن الأئمة إذا تركوا حديثًا من الأحاديث أو إسنادًا من الأسانيد وتجاوزوه ورواه متأخر فإن المتأخر لا يقف على شيء تركه المتقدم، وقد يقول قائل: كم ترك الأول للآخر؟ نقول: إن الأئمة عليهم رحمة الله في ذلك الزمن كانت البلدان صغيرة والناس فيها قلة، فالكوفة والبصرة وبغداد وواسط والمدينة ومكة لم تكن على ما هي عليه حتى بعد قرن من زمن الخلفاء الراشدين فإنها قد اتسعت، فمعاقل العلم وهو مواضع الرواة معروفة والناس يتناقلون بخلاف إذا اتسعت، ولهذا إذا لم تلتقط هذه الروايات في زمن قلة الناس وقلة المجالس وشدة عناية الرواة، إذا لم تلتقط في ذلك الزمن فإنها أبعد أن يقف عليها من جاء بعدهم ويستدرك عليهم ما ليس عندهم. وأما ما يستدركه البعض ويقول: إن مثل هذه الرواية من أين جاء بها هذا الراوي كعيسى بن يونس وأشباهه في غير هذه الروايات، من أين جاء بها؟ نقول: إن مثل هذه الروايات إما أن تكون دمجًا بين موقوف ومرفوع، أو ربما طرأ عليه شيء من الوهم، فتضعيف الرواية لا يعني اتهام الراوي، بمعنى: أنه لا يتهم بهذه الرواية أنه اختلقها، ولكن يطرأ عليه شيء من الوهم مما يطرأ على كثير من الناس بنقل الأخبار. ولهذا يأخذ العلماء خلاصة إذا اجتمعت القرائن على أن مثل هذا الحديث وهذه الرواية منكرة ثم يتوقفون عن إلحاق التهمة إلا إذا اتضحت القرينة، وتجد في مثل هذه الروية تجد الأئمة يحملون عيسى بن يونس بهذا الحديث باعتبار أن مجموع هذه الروايات تأتي عن طريقه.
الحديث الثالث: هو حديث عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله قال: (بت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنظر كيف يقنت في وتره، قال: فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقنت قبل الركوع) .