إذًا البخاري رحمه الله حينما كان لهذا الراوي من أحاديث الأحكام الكثيرة وتركها وما أورد له إلا بابًا ضيقًا من أبواب رواياته وهي في الفضائل أو التفسير ثم تعمم الحكم وتقول: أخرجه البخاري!، ولهذا نجد أن البخاري رحمه الله أورد حديث محمد بن أبي يعقوب الكرماني عن حسان بن إبراهيم الكرماني قاضي كرمان في أحكام البيوع والنكاح في أمور القضاء، وهي أمور القضاء وهي محل عناية من حسان بن إبراهيم ولم يرو عنه في أبواب العبادات وهي من أمور الأحكام، لأن لها أهلها، وفي هذا يعرف موضع الانتقاء، فلو جاءنا في موضع الكرماني عن حسان بن إبراهيم صححناه في تلك الأبواب، وربما يأتيك بعض الأشخاص ويقول: أنت تتناقض تصحح للكرماني في موضع وتنكر حديثه وتجزم في موضع آخر، نقول: العلة في ذلك هي ما تقدم الإشارة إليه.
لهذا نؤكد أنه لطالب العلم إذا أراد أن ينظر لرواية راو أخرج له البخاري و مسلم في صحيحيهما، أن لا يكتفي بالنظر السائدة إلى موضع الإخراج بل ينظر إلى ما ترك، وهذا أمر أيضًا واسع، ومعنى اتساعه في ذلك: أنه ينبغي لطالب العلم أن يكثر من النظر فيعرف رواية الكرماني كم عددها، وشيوخ الكرماني، وإذا كان ابن عيينة من شيوخ الكرماني فلماذا لم يخرج له البخاري! وثمة أحاديث الأمة بحاجة إليها، ثم يورد البخاري حديث سهل بن سعد قال: أمرنا أن نضع اليمين على الشمال، ولديه معاشر الأنبياء كلهم من آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم أمر سماوي بالقبض ثم يدعه، و الكرماني عنده ويروي عن ابن عيينة ولا يوجد إسناد أمثل من هذا في رواية ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاوس عن عبد الله بن عباس، ثم يتركه البخاري ولهذا نقول: إن رواية الكرماني في البخاري هي إعلال لحديثنا هذا بالتضمين ولو لم ينص عليه، لماذا؟ لأن البخاري رحمه الله في ظاهر أمره أنه سمع حديث الكرماني كله وعرف ما لديه.