وأما إخراج الإمام مسلم رحمه الله لهذا الوجه من حديث عائشة فنقول: إن الإمام مسلمًا رحمه الله كما أنه صنف كتابه لإخراج الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنه يقصد في بعض المواضع إعلال بعض الوجوه وبعض الطرق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو يتعمد إخراجها إعلالًا لها وذلك بعدما يذكر اللفظ الأصح، والغالب من طريقة الإمام مسلم رحمه الله أنه يورد الحديث في صدر الباب الذي يعتمد عليه ثم يورد بعد ذلك اللفظ المرجوح، فيصدر في الباب أو في مسند الصحابي اللفظ الراجح ثم يعقب عليه باللفظ المرجوح، وهذا ليس مطردًا ولكنه غالب، وذلك أن الإمام مسلمًا رحمه الله قد أشار في المقدمة إلى هذا المعنى.
الحديث الخامس: هو حديث عبد الله بن عباس عليه رضوان الله (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم صلاة الكسوف ثمان ركعات في ركعتين) يعني: في كل ركعة أربع ركعات. هذا الحديث أخرجه الإمام مسلم رحمه الله أيضًا في كتابه الصحيح من حديث سفيان عن حبيب عن طاوس عن عبد الله بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث تكلم عليه بعض العلماء وأعله، وبعضهم جوده كالنسائي رحمه الله في كتابه السنن فإنه قال: هذا حديث جيد، وبعض النقاد يعله وينكره كابن حبان رحمه الله فإنه أعل هذا الحديث وكذلك البيهقي، وقولهما أولى بالصواب؛ وذلك أن إخراج الإمام مسلم رحمه الله له لا يظهر منه أنه أراد من ذلك أن هذا الحديث حجة؛ وذلك أنه ما صدره في أبواب صلاة الكسوف. والحديث هذا معلول بعدة علل: أول هذه العلل: أن هذا الحديث يرويه حبيب بن أبي ثابت عن طاوس، و حبيب بن أبي ثابت عن طاوس في سماعه منه نظر كما نص على هذا ابن حبان رحمه الله في كتابه الصحيح، وكذلك البيهقي وغيرهم على أن حبيبًا لم يسمع من طاوس.