وقد أخرج الدارمي في كتابه السنن من حديث مسروق أن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله سئل عن نقضه للوتر بركعة، فقال: هو شيء أجتهده لا أرويه عن أحد، يعني: ليس لدي شيء في ذلك ولو كان لديه شيء غير ما يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فإنه سوف يمتثل ما جاء في حديث قيس بن طلق عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك لصراحته؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (لا وتران في ليلة) . وغاية ما عند عبد الله بن عمر عليه رضوان الله هو أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا) ، فهو قد شفع الوتر الأول بركعة، ولو ساغ له أن يوتر من غير نقض لأوتر بعد ذلك وجعل في الليلة وترين. القول الثاني: إن الإنسان يصلي بعد وتره إذا قدر له القيام شفعًا، ولا يصلي الوتر مرةً أخرى، فيكفيه الوتر الأول، وذلك ترجيحًا لحديث قيس بن طلق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنه لا وتران في ليلة) ، فلا يرون في ذلك النقض، وهذا الذي عليه جماهير العلماء. جاء عن أبي بكر الصديق و سعد، و عمار، و عبد الله بن عباس عليهم رضوان الله تعالى، فقد روى عبد الرزاق في كتابه المصنف من حديث ابن جريج عن عطاء أنه سأل عبد الله بن عباس في الرجل يوتر ثم يقوم من آخر الليل، قال: يوتر ثم يصلي شفعًا ولا يصلي وترًا، وكان عطاء يفتي في هذا، وذهب إلى هذا جمهور الفقهاء وهو قول الإمام مالك، والإمام أحمد، و الأوزاعي، وغيرهم من الأئمة، وهذا من المسائل التي لا يقول الإمام مالك بقول عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى فيها. القول الثالث: أن الإنسان يوتر بعد ذلك ولا ينقض وتره لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا) ، يعني: أنه لا ينقض الوتر الأول ويوتر بعد ذلك فهذا ترجيح لحديث عبد الله بن عمر في الإتيان بالوتر في آخر الليل.