أما من جهة قيمتها؛ فمراسيل سعيد بن المسيب هي أصح المراسيل؛ لأن سعيد بن المسيب مدني ومن طبقة متقدمة، وهذه الطبقة التي يخشى منها الفجوة التي بين النبي وبين سعيد هم صفوة إما صحابة، أو علية من التابعين، ولكن لما جرى الأئمة عليهم رحمة الله على شدة الاحتراز بالنقل وأن لا يفتح باب لتصحيح أحاديث لا تعرف الواسطة بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا بردها. أيضًا قالوا: أن الدين الذي لا يثبت إلا بمرسل ليس من الشريعة، والشريعة محفوظة، ولا يوجد شيء من الدين إلا هذا، فهذا أيضًا مما يجعلهم يميلون إلى أن التمسك بحديث مرسل إنقاذًا للمسألة فيه ضرب لأصل الشريعة، ولهذا يقولون بإعلال الحديث ولكن يوردونه استئناسًا، ولهذا تجد الشافعي رحمه الله، والإمام أحمد، والإمام مالك يحتجون ببعض المراسيل أو ببعض الموقوفات، أو بعض المقطوعات لوجود ما هو أقوى منها، لكن ما هو أقوى منها ليس أثرًا، فيوردون ما جاء من مسائل الإجماع السكوتي النص عليه وتبيينه للقارئ شاق. وكذلك أيضًا مسألة القياس ذكرها للقارئ أيضًا شاق، فيوردون النص لأنه أقرب شيء يحتج به، وهذه طريقة الإمام أحمد رحمه الله وربما احتج أيضًا ببعض المقطوعات، فيسأل عن مسألة فيقول: نعم، فيقال: إلى أي شيء تذهب؟ فيقول: أذهب إلى كذا، لماذا؟ فيقول: قال به فلان، قال به عطاء، قال به طاوس، مع أن الإمام أحمد و الشافعي لا يقولون أصلًا بقطعية أقوال الصحابة فكيف بطاوس و عطاء! ولكن وجد من الأصول ما يعضد هذه المسألة فيميلون إليه. ومن ذلك مسألة ختم القرآن، لما سأل الإمام أحمد عن ذلك؟ قال: يفعله أهل مكة، أو يروى فيه عن سفيان وأهل مكة، هو يرى أن العمل على هذا وتناقلوه، ولكن أن تنقله وتنسبه عن فرد بعينه أمثل ما جاء هو هذا النقل عن بعض الأئمة من المكيين.