ولهذا نقول: إن الزيادة في حديث معمر أتم من حديث سفيان وغيره ممن روى الحديث هذا عن ابن شهاب من غيرها، وعادة الإمام مسلم أنه يورد المتن الأتم، والمتن التام في ذلك أن يقال: هو قوله: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعدًا) ، فعلى هذا المعنى نقول: إن هذا المعنى هو أتم من المعنى الآخر؛ لأن هذا المعنى يشمل الزيادة على الفاتحة، وهذا يشمل الاقتصار على الفاتحة فهو أولى بالتصديق، لهذا لم يصدره الإمام مسلم رحمه الله في كتابه الصحيح، ولم يخرجه البخاري البتة، فهذا من قرائن إعلال الحديث عندهما في هذا الباب. من وجوه الإعلال التي سلكها ابن حبان رحمه الله مع تفرد معمر بن راشد في هذا الحديث: أن هذا الحديث مخالف للإجماع، والإجماع في ذلك ما يتعلق بأن الذي يجب على الإنسان في صلاته هو قراءة الفاتحة على خلاف أيضًا عند أهل الرأي الذين يوجبون ما تيسر على سبيل العموم، سواءً كان من الفاتحة أو من غيرها. ولهذا نقول: إن السلف يجمعون على عدم وجوب قراءة سورة مع الفاتحة وأنها مستحبة، وهذا من قرائن الإعلال، وذلك أنها لو كانت ثابتة لنقلت من وجه صحيح مساوٍ للفاتحة، لأنه قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعدًا) ، وهذا إشارة إلى أن الصلاة بغير هذه السورة مع الفاتحة تبطل. فلما لم ينقل على وجه مساوٍ للفاتحة دل على نكارتها. فينبغي لطالب العلم إذا أراد أن يحكم على حديث أن ينظر إلى دلالة معناه، ثم إذا نظر إلى دلالة معناه ينظر إلى الأحاديث التي وردت في بابه، فما يتعلق بأركان الصلاة يلتمس له إسنادًا بمثلها، فإذا لم يجد له إسنادًا بمثلها يلتمس قرينة دافعة لعدم ورود الإسناد، ما هي القرينة الدافعة لذلك؟ هل الاستفاضة والعمل؟ وذلك إذا كان ثمة إجماع على هذا الأمر والاستفاضة فإن النفوس لا تتداعى على حمل مثل هذا، فيكون حينئذ الأمر فيه أهون وأيسر من غيره.