واختلف العلماء في ترجيح الوقف والرفع، وترجيح الوصل والإرسال، وعامة الحفاظ على ترجيح الإرسال في هذا الحديث وعدم صحته مرفوعًا، وأن الصواب في ذلك ما يرويه عاصم عن عكرمة مولى عبد الله بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير ذكر عبد الله بن عباس، وهذا هو الأرجح، وقد صوبه الإمام أحمد و أبو داود و الدارقطني أن الصواب في ذلك الإرسال. ومن قرائن ترجيح الإرسال: أن عكرمة جرى في روايته هذه على غير الجادة، والجادة في هذا أنه يروي عن عبد الله بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أرسل الحديث فقد خرج عن الجادة وهو أقرب إلى الحفظ والضبط، وأما من يرويه عن عكرمة عن عبد الله بن عباس فقد جرى على الجادة فيه. ونقول: إن من القرائن عند العلماء ما يسمونه بالجادة وما يسمونه بالمجرة، والجادة هي الطريق المعتادة في الرواية أو كذلك أيضًا في السير، فإن الإنسان إذا غلط أو هم فإنه يجري لسانه على ما اعتاد عليه فإذا خالفه دليل على أنه مستحضر ويقظ، والصواب في هذا الحديث الإرسال، من العلماء من صحح الوصل وهو الحاكم رحمه الله فإنه يميل إلى تصحيح الوصل في هذا، و الحاكم رحمه الله مع جلالته وإمامته وفضله وحفظه إلا أنه في أبواب العلل لا يقارن بالصدر المتقدم من النقاد وذلك كشعبة و ابن مهدي و ابن المبارك و ابن معين و أحمد و ابن المديني و أبي داود وغيرهم من الأئمة، وهو يجري في كثير من طرائقه في العلل مجرى أهل الظاهر، ومعلوم أن لدينا مدارس في العلل أو مدرستين من مدارس العلل: المدرس الأولى: هي مدرسة الظاهرية، والمدرسة الظاهرية هي التي يجري عليها كثير من المتأخرين، ويسلك هذا المسلك أيضًا جماعة من المتقدمين كالحاكم وكذلك أيضًا ابن حزم و ابن القطان الفاسي وغيرهم، فهؤلاء يأخذون مجرى الظاهر ولا يعملون القرائن.