بعد المدينة تأتي مكة وهذا لا علاقة له بفضل البلد، ومعلوم أن مكة أفضل من المدينة، ولكن ما يتعلق بالرواة جهالة المدنيين أعظم من غيرهم، لأن مطامع الناس في المدينة في الإقامة فيها تختلف عن مطامعهم في مكة فمكة موضع التجارة وموضع اختلاف الأجناس وقصد البيت الحرام بحج أو عمرة، أما المدينة فلا تقصد بحج أو عمرة فتقصد غالبًا للعلم، ولهذا نجد أن الفقهاء في المدنيين أكثر من الفقهاء المكيين، ثم يأتي بعد ذلك البلدان التي لم تدخلها العجمة في زمن التابعين وذلك كحال اليمن وغيرها حتى اليهود الذين فيها يتكلمون العربية على ما بقي عليه أقوامهم وإن شاركها في ذلك شيء من بعض لغاتهم أو لهجاتهم بخلاف بقية البلدان، أما بقية البلدان فالعربية واردة عليهم وذلك كحال العراق بجميع أنواعه، ومعلوم أيضًا أن المدن العراقية من جهة تعددها أن الكوفة والبصرة قبل بغداد فبغداد جاءت بعد ذلك، ولهذا لا يوجد تابعي بغدادي، نعم يوجد تابع تابعي، أما الكوفي والبصري فيوجد تابعي ويوجد تابع تابعي، لهذا لا تجد فقيهًا أو راويًا تابعيًا في بغدد وإنما تجد أتباع التابعين، لتأخر نشوء الرواية في بغداد ولهذا أضعف مواضع الرواية في هذه المدن الثلاث هي بغداد مع اشتهارها في ذلك، وأقواها البصرة ثم الكوفة مع أن الكوفة بلد الفقه ولكن البصرة بلد الضبط والرواية أكثر من الكوفة ثم تفوقت بعد ذلك في أواخر زمن الرواية بغداد لكونها مصرًا كبيرًا وشرع فيها الناس حدث هذا في طبقة أتباع التابعين، لهذا نقول: إن البلد في ذلك له أثر على الراوي.