وكذلك فإن هذا الحديث قد وقع في إسناده اضطراب، فتارةً يرويه أبو قلابة عن النعمان بن بشير لا واسطة، وتارةً يرويه أبو قلابة عن رجل عن النعمان بن بشير، كما أخرج ذلك الإمام أحمد رحمه الله في كتابه المسند، وتارةً يرويه ويجعله من حديث النعمان بن بشير، وتارةً يرويه أبو قلابة من مسند قبيصة بن المخارق كما أخرج ذلك النسائي والبيهقي، والإمام أحمد رحمه الله في كتابه المسند وهذا اضطراب، وإن كان الأرجح في ذلك أن هذا الحديث لم يسمعه أبو قلابة من النعمان بن بشير، ولكنه أيضًا من مسند النعمان بن بشير لا من مسند قبيصة بن المخارق، وذلك أن أكثر الرواة يروونه عن أبي قلابة عن النعمان بن بشير، كما رواه أيوب بن أبي تميمة السختياني، وخالد الحذاء وجماعة عن أبي قلابة عن النعمان بن بشير، وسواءً كان هذا الوجه صحيحًا أو ذاك كان من مسند النعمان أو من مسند قبيصة فإن أبا قلابة لم يسمع من الاثنين جميعًا، فلم يسمع من النعمان بن بشير كما تقدم الكلام عليه، ولم يسمع أيضًا من قبيصة كما نص على هذا البيهقي رحمه الله. ومن الإشكالات في حديث النعمان بن بشير أنه جاء في بعض ألفاظه قال: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الكسوف ركعتين ركعتين) ، وجاء في رواية أخرى قال: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الكسوف كأحسن ما تصلون من هذه الصلاة المكتوبة) ، وهذا يتضمن جملة من المعاني منها: أن قوله: (صلى بنا صلاة الكسوف ركعتين ركعتين) يحتمل هذا اللفظ أن صلاة الكسوف تتكرر في الحادثة الواحدة، وعلى هذا يبني بعض الفقهاء جملة من مسائل الخلاف في أن الإمام إذا صلى صلاة الكسوف ولم يزل الكسوف ولم تنكشف الشمس قالوا: فيستحب بعد ذلك أن يعيد الصلاة، وهذا لا دليل عليه يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأظهر أن النبي عليه الصلاة والسلام إنما صلى صلاة الكسوف مرةً واحدة ومن غير تكرار.