ونصب (بُعْدًا) على المصدر وفيه معنى الدعاء ، ويجوز أن يكون من قول الله تعالى ، ويجوز أن
يكون من قول المؤمنين.
وقد جمعت هذه الآية من عجيب البلاغة أشياء:
منها - أن الكلام خرج مخرج الأمر على جهة التعظيم لفاعله من نحو: كن فيكون ، من غير معاناة
ولا لغوب .
ومنها - حسن البيان في تقدير الحال .
ومنها - الإيجاز من غير إخلال .
ومنها - تقبل الفهم على أتم الكمال .
إلى غير ذلك من المعاني اللطيفة ، وقد رأيت في معنى هذه الآية في نصف سفر من أسفار
التوراة . وأنت تراها هاهنا في غاية الإيجاز والاختصار والبيان؛ ويروى أن كفار قريش لما تعاطوا
معارضة القرآن عكفوا على لباب البر ولحوم الضأن وسلاف الخمر أربعين يومًا ، لتصفوا أذهانهم ، وكانوا
من فصحاء العرب ، وأخذوا فيما أرادوا ، فلمَّا سمعوا هذه الآية قال بعضهم لبعض: هذا كلام لا يشبه
كلام المخلوقين وتركوا ما أخذوا فيه وافترقوا .
السلام في الكلام على أربعة أوجه:
السلام التحية ، والسلام اسم من أسماء الله عز وجل ، ومنه قوله تعالى: (لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ) ، والسلام جمع سلامة مثل حمام وحمامة ، وقد قيل في قوله تعالى: (لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ) ، أي: دار السلامة ؛ لأنَّ من صار إليها يسلم من آفات الدنيا وعذاب النار ، والسلام ضرب
من الشجر وهو من العِضَاه سمي بذلك لأنه لعظمه يسلم من العوارض الداخلة عليه .