فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: لم قال (فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى) ، ولم يقل: فتشقيا ؟
والجواب: أن المعنى على ذلك ، لأنه خطاب له ولزوجه . إلا أنه اكتفى بذكره عن ذكرها ، لأن أمرهما
في السبب واحد فاستوى حكمهما في استواء العلة.
ومما يسأل عنه أن يقال: كيف جمع بين الجوع والعري . وبين الظمأ والضحو . والظمأ من جنس الجوع ، والضحو من جنس العري ؟
وعن هذا جوابان:
أحدهما: أن الضحو الانكشاف إلى الشمس على ما تقدم . والحر عنه يكون ، والظمأ أكثر ما يكون
من شدة الحر ، فجمع بينهما في اللفظ لاجتماعهما في المعنى . وكذلك الجوع والعري يتشابهان من
قِبل أن الجوع عرى في الباطن من الغذاء ، والعري ظاهر للجسم .
والجواب الثاني: أن العرب تلف الكلامين بعضهما ببعض اتكالًا على علم المخاطب ، وأنه يرد كل
واحد منهما إلى ما يشاكله ، قال امرؤ القيس:
كأَنِّي لَمْ أَرْكَبْ جَوادًا لِلَذَّةٍ، ... وَلَمْ أَتَبطَّنْ كاعِبًا ذاتَ خَلْخالِ
ولم أَسْبَأ الزِّقَّ الرَّويَّ ولم أقْلْ ... لخيلي كُرِّي كَرَّةً بعد إجْفالِ
وكان حقه أن يقول: كأني لم أركب جوادا للذة ، ولم أقل لخيلي كُرِّي ، ولم ولم أَسْبَأ الزِّقَّ الرَّويَّ ، ولم أتبطن كلاعبا . .
وقد تؤول قول امرئ القيس على الجواب الأول ، وذلك أنه جمع في البيت الأول بين ركوبين: ركوب
الجواد وركوب الكاعب ، وجمع في الثاني بين سباء الخمر والإغارة لأنهما يتجانسان
فصل:
ومما يُسأل عنه أن يقال: لم جاز أن تعمل (إنَّ) في (أنَّ) بفصل ، ولم يجز من غير فصل ؟
والجواب: أنهم امتنعوا عن ذلك كراهة للتعقيد بمداخلة المعاني المتقاربة ، فأما المتباعدة فلا يقع فيها
تعقيد بالاتصال ، لأنها مباينة مع الاتصال لألفاظها ، فلذلك جاز (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى(118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119) ،
ولم يجز: إن إنك لا تظمأ فيها ؛ لأنه بغير فصل .
وقرأ نافع وعاصم من طريقة أبي بكر (وَإِنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا) بالكسر ، وقرأ الباقون بالفتح .