فهرس الكتاب
الثاني: حرام محصور بحلال غير محصور، كما إذا اختلطت رضيعته أو عشر رضائع بنسوة بلد كبير، فلا يلزم بهذا اجتناب نكاح أهل البلد، بل له أن ينكح من شاء منهن إلا إذا علمها بعينها. إلا أن علة الحل ليست كثرة الحلال، إذ يلزم منه جواز النكاح إذا اختلطت واحدة حرام بتسع حلال، بل العلة الغلبة والحاجة جميعا؛ مثلًا: من علم أن مال الدنيا خالطه حرام قطعًا لا يلزمه ترك الشراء والأكل، فإن ذلك حرج وما في الدين حرج. وإذا لم يشترط هذا في الدنيا لم يشترط أيضا في بلد وما في الدين حرج. وإذا لم يشترط هذا في الدنيا لم يشترط أيضًا في بلد إذا وقع بين جماعة محصورين، فاجتناب هذا من ورع الموسوسين إذ لم ينقل ذلك عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة، ولا يتصور الوفاء به في ملة من الملل ولا في عصر من الأعصار.
واعلم: إن تمييز المحصور من غير المحصور مشكل، وبالتقريب: كل عدد لو اجتمع على صيد واحد لعسر على الناظر عددهم بمجرد النظر كالألف والألفين فهو غير محصور، وما كالعشرة والعشرين فهو محصور، وبين الطرفين أوساط متشابهة تلحق بأحد الطرفين بالظن. وربما يفتي المفتي، لكن إن وقع عندك الشك فعليك أن تستفتي قلبك، فإن حاك في صدرك شيء فهو الإثم بينك وبين اللّه فإن الإثم حزاز القلوب، ولا ينجيك في الآخرة فتوى المفتي فأنه يحكم بالظاهر واللّه يتولى السرائر؛ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لوابصة: (استفت قلبك وان أفتوك وأفتوك وأفتوك) .
وكذا الحال في الأوساط المتشابهة التي تقع في الأقسام الأربعة في المثار الأول.
الثالث: أن يختلط حرام غير محصور بحلال غير محصور، كحكم الأموال في زماننا هذا. وقد يظن ان هذا مثل اختلاط المحصور بالمحصور في الحرمة لكنه ليس كذلك، بل هذا غير حرام، كمن يتناول شيئًا بعينه احتمال أنه حرام وأنه حلال، إلا أن يقترن بتلك العين علامة الحرمة فحينئذ يحرم.