فهرس الكتاب
ويدل على ما ذكرنا ان في زمن النبي صلى اللّه عليه وسلم وقع الغلول واختلط بالأموال، وكذا اختلط أثمان الخمور في أيدي أهل الذمة، بل الربا أيضًا، وكذا في زمن الصحابة والتابعين.
وقد نهب يزيد المدينة شرفها اللّه ثلاثة أيام، ولم يمتنع أحد من الصحابة عن الشراء في السوق الا القليل يعلمون من أهل الورع.
ومن زعم أنه تفطن من الشرع ما لم يتفطنه السلف الصالحون فهو موسوس مختل العقل وأيضًا: لو فتح هذا الباب لأنسد باب جميع التصرفات وخرب العالم، إذ الفسق غالب على الناس ويتساهلون في شروط الشرع.
فإن قلت: ما ذكرته فيما إذا كان الحرام قليلًا وقد صار الحرام في زماننا أكثر، قلت ليس هو أكثر بل هوكثير؛ وقولك: الحرام أكثرًا ما لكثرة الظلمة أو كثرة المعاملات الفاسدة أو كثرة الأيدي.
الأول باطل: إذ الظلمة وهم الجندية وذو الغلبة والشوكة إذا أضيفوا الى جملة العالم لم يبلغوا عشر عشرهم.
وكذا الثاني: إذا أكثر المسلمين يتعاطون بشروط الشرع، وأهل الربا بيتهم قليل فضلًا عن كونهم كثيرًا أو أكثر.
وأما الثالث: فلانّ الأموال إنما تحصل من المعادن والنبات والحيوان، ولم يبق درهم واحد ولا دينار خرجت من معدن أو دار ضرب إلا تناوله يد الظلمة؛ وكذا الحال في الحيوان، فلم يبق الا الصيد والحشيش والحطب في الموات، فالجواب عنه: أن هذه الغلبة لم تنشأ من كثرة الحرام المخلوط بالحلال، فالتحق بما عددناه من قبل وهو تعارض الأصل والغالب.
فالحكم فيه: إن الغالب الذي لا يستند إلى علاقة تتعلق بعين ما فيه النظر مطرح، فلا يقال: أصول الحرام أكثر بل أصول الحلال لم تزل أكثر في كل عصر وزمان، وذلك ظاهر لمن تدبر بإذعان وإمعان، وإنما الكلام فيما إذا قدر غلبة الحرام واختلط غير محصور ولم يكن في العين المتناولة علامة خاصة.