فهرس الكتاب

الصفحة 1209 من 1503

ومن ذلك: التعليم والنصيحة، اذ الحاجة الى العلم فوق الحاجة الى المال، فإذا وجب مواساته وجب مواساة العلم بالطريق الأولى. وان لم يعمل بعد تحصيل العلم بعلمه فعليك نصحه لكن في الخلوة لما ذكرناه، ولا تظنن أن في ذكر العيوب ايحاش القلب فلا يكون من حقوق الأخوة، لأن ألا يحاش في عيب يعلمه صاحبه، وان لم يعلم فهو عين الشفقة. وأما ما يعلمه ولا يقدر على دفعه فلا يكشف سره فيه ان كان يخفيه، وان كان يظهره فلا بد فيه من النصح، بالتعريض تارة وبالتصريح أخرى الى حد لا يؤدي الى ايحاش، وان علمت ان النصح غير مؤثر وانه مجبور عليه فالسكوت عنه أولى.

وأما ما يتعلق بتقصيره في حقك: فالواجب فيه الاحتمال والعفو والصفح والتعامي عنه، فالتعريض ليس من النصح في شيء. نعم ان كان بحيث يؤدي استمراره عليه الى القطيعة فالعتاب في السر خير من القطيعة، والتعريض به خير من التصريح، والكناية خير من المشافهة، والاحتمال خير من الكل.

الخامس: العفو عن الزلات والهفوات. والهفوة اما في دينه أو في حقك.

أما الأول: فعليك التلطف في نصحه بما تقيم أوده وتجمع شمله وتعيد الى الورع والصلاح حاله، فإن لم تقدر وبقي مصرًا فقد اختلف فيه الصحابة والتابعون؛ فذهب أبو ذر الى الانقطاع ورأى ذلك من البغض في اللّه؛ وأما أبو الدرداء وجماعة من الصحابة فذهبوا الى خلافه، وقال أبو الدرداء: إذا تغير أخوك وحال عما كان عليه فلا تدعه لأجل ذلك، فإن أخاك يعوج مرة ويستقيم أخرى؛ وقال ابراهيم النخعي: لا تقطع أخاك ولا تهجره عند الذنب بذنبه، فإنه يرتكبه اليوم ويتركه غدًا، وكم من أخ زل ولم يتغير عليه أخوه حتى صار باعثًا على هدايته، ولعله لوترك لكان باقيًا على ذنبه.

وأيضًا: هذا وقت حاجته وعقد الأخوة مرصده لوقت الحاجة، وأي حاجة أشد من فقر الدين. فهذه طريقة قوم، وهي ألطف وأفقه من طريق أبي ذر، وطريقته أحسن وأسلم، والأكثر ون على خلاف أبي ذر حتى قال الشاعر:

وأغفر عوراء الكريم ادخاره ... واعرض عن شتم اللئيم تكرمًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت