فهرس الكتاب

الصفحة 1244 من 1503

فالغرض تهييج الشوق. والشوق وان كان المًا. ففيه نوع لذة إذا انضاف اليه رجاء الوصول، وهذا حلال ان كان ممن يباح له الوصال، كمن يعشق زوجته أو سريته فيصغي الى غنائها لتتضاعف لذته في لقائهما، وما الحياة الدنيا لا لعب ولهو وهذا منه.

وأما من يتمثل في نفسه صورة امرد أو امرأة لا يحل له النظر اليها، فهذا حرام لأنه محرك للفكر في الأفعال المحظورة، ومهيج للداعية الى ما لا يحل الوصول اليه، وهذا حال الفساق والسفهاء وكثير من الشبان، فالسماع ممنوع في حقهم لما فيه من تحريك الداء لا لأمر يرجع إلى نفس السماع.

السماع: سماع من أحب اللّه سبحانه وعشقه واشتاق الى لقائه، فلا ينظر إلى شيء الا رآه فيه، ولا يقرع سمعه قارع الا سمعه منه أو فيه، فالسماع في حقه مهيج لشوقه ومؤكد لعشقه، ومور زناد قلبه ومستخرج منه كمين حبه، ويحصل منه أحوال من المكاشفات والملاطفات لا يحيط الوصف بها، يعرفها من ذاقها وينكرها من كل حسه عن ذواقها. وتسمى تلك الأحوال عندهم وجدًا أخذًا من الوجود، لأنه صادف من نفسه أمورًا لم يكن يصادفها قبل السماع، ثم تكون تلك الأمور والأحوال سببًا لروادف وتوابع تحرق القلب بنيرانها، وتنقيه من الكدورات كما ينقى الابريز من الخبث، فيحصل للقلب الصفاء والنقاء، ثم يتبع الصفاء مكاشفات ومشاهدات هي غاية المحبين للّه تعالى ونهاية ثمرة القربات كلها، فالمفضي اليها من جملة القربات لا من جملة المعاصي والمباحات. وحصول هذه الأحوال بسبب السماع يسر اللّه تعالى في مناسبة النغمات الموزونة للارواح، ويثمر لها شوقًا وفرحًا وانبساطًا وانقباضًا، ومعرفة السبب في ذلك من دقائق علوم المكاشفات.

واما البليد الجامد الطبع، القاسي القلب، المحروم عن لذة السماع ربما ينكر ذلك ويتعجب من الالتذاذ والوجد، واضطراب الحال والشوق، وتعجب العنين من لذة المباشرة، وتعجب الصبي من لذة الجاه والرياسة، وتعجب الجاهل من معرفة اللّه وجلاله وعظمته وعجائب صنعته. وسبب ذلك أن اللذة نوع ادراك، فمن لم يكمل قوة ادراكه في حق الملتذذ به لا يدرك اللذة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت