فهرس الكتاب

الصفحة 1245 من 1503

ثم اعلم: ان بعضًا من الجهال، بل بعضًا ممن تظنه عالمًا وهو عالم في بعض الأمور وجاهل في باب معرفة اللّه ولم يقدر اللّه حق قدره - ربما ينكر محبة اللّه تعالى، وانت تقلده في ذلك، فوجب علينا كشف اللثام عن وجه المحبة والعشق والشوق الى اللّه عز وجل.

واعلم: أن المحبة ميل ينشأ من اعتقاد جمال المحبوب، فإذا قويت المحبة يسمى عشقًا. ثم ان الجمال: أما صوري: وقوة تناسب الخلقة وصفاء اللون المدرك بحاسة البصر؛ وأما معنوي: وهو كمال العظمة وعلو الرتبة وحسن الصفات، وارادة الخيرات لكافة الخلق المدرك بحاسة القلب. وقد يحب الانسان لهذه الصفات الباطنة - وان لم ير صاحبها - كما يحب الانسان أبا حنيفة والشافعي لاعتقاد الكمال في العلم والدين والأخلاق فيهما، ومع ذلك لم يدرك بجمالهما الصوري أصلًا، فظهر أنه يمكن معرفة الجمال المعنوي بدون رؤية الجمال الصوري.

ثم أن الجمال الحقيقي فهو اللّه، ولا جمال ولا محبوب في العالم الا وهو حسنة من حسناته، واثار من آثار كرمه، وغرفة من بحر جوده، بل كل حسن وجمال في العالم من مبتدأ العالم الى منقرضة، ومن ذروة العلى إلى منتهى الثرى، فهو ذرة من خزائن قدرته، ولمعة من أنوار حضرته، فليت شعري كيف لا يعقل حب من هذا وصفه، وكيف لا يتأكد عند العارفين بأوصافه حبه حتى يجاوز حدًا لا يمكن اطلاق اسم العشق أيضًا لقصوره عن الأنباء عن فرط محبته، فسبحان من احتجب عن الظهور للابصار لشدة ظهوره، واستتر عن العيون بإشراق نوره، ولولا احتجابه سبعين حجابًا من نوره لأحرقت سبحات وجهه أبصار اللاحظين لجمال حضرته، ولولا أن ظهوره سبب خفائه لبهتت العقول وذهبت القلوب، وتجاذبت القوى وتناثرت الأعضاء، ولو ركبت القلوب من الحجارة والحديد لأصبحت تحت مبادي أنوار تجليه دكًا، فأنى يطيق كنه نور الشمس أبصار الخفافيش، بل محبة غير اللّه جهل وقصور لظنه أن فيهم شيئًا من الجمال، بل المتحقق بالمعرفة لا يعرف غير اللّه، اذ ليس في الوجود تحقيقًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت