فهرس الكتاب

الصفحة 1375 من 1503

الثالث: الذين علموا مذمومية هذه الأخلاق، إلا أنهم لعجبهم يظنون أنهم منفكون عنها، وأنهم أرفع عند اللّه من أن يبتليهم بذلك وإنما يبتلي به العوام، وربما يعتذر من كبره ويقول: ان هذا طلب عز الدين وإظهار شرف العلم. وهؤلاء أيضا مغرورون، إذ العجب من أشد الصفات المهلكات، وأيضًا يداخل السلاطين ويقول: غرضي نفع المسلمين، وإذا أخذ من أموالهم يقول: مال لا مالك له وأنا إمام المسلمين وعالمهم ويحل لي الأخذ بقدر الحاجة. وفي ذلك غروران:

أحدهما: انه لا مالك له وكيف لا أنهم يأخذون أموال المسلمين وهم، أو ورثتهم أحياء وخلطها بالحلال لا يجعله حلالا.

وثانيهما: قوله: انا امام وكيف لا، ومن انتهى جرأته في أخذ الحرام إلى هذه الرتبة فهو دجال الدين وقوام مذهب الشياطين.

الرابع: الذين أظهروا العلوم وطهروا الجوارح وزينوها بألطاعات، وجاهدوا أنفسهم في التبري من ذمائم الأخلاق، إلا أنهم مغرورون، إذ بقيت في زوايا القلب خفايا من مكايد الشيطان وخبايا خداع النفس، فتراه يسهر ليله ويتعب نهاره في التصانيف حرصًا على إظهار دين اللّه ونشر شريعته، ولعل باعثه الخفي طلب الذكر وانتشار الصيت في الأطراف وكثرة الرحلة اليه من الأ كناف، وهذا المسكين لو تغيرت عليه للقلوب فعساه يتشوش عليه قلبه وتختلط أوراده ووظائفه.

الخامس: الذين اقتصروا على علم الفتاوى في الحكومات والخصومات وخصموا علم الفقه بها، وضيعوا الأعمال الظاهرة والباطنة، ولم يمنعوا ألسنتهم عن الغيبة، وبطونهم عن الحرام، ورجليهم عن المشي إلى السلاطين، ولم يزكوا قلوبكم عن الكبر والرئاء والحسد وأمثال ذلك. فهؤلاء مغرورون؛ أما من حيث العمل: فأنه اشتغل بفرض الكفاية ان صحت نيته قبل الفراغ من فرض العين، لأنه اشتغل بالفتاوى - وهي فرض كفاية - وترك فرض العين وهو إصلاح نفسه؛ وأما من حيث العلم: فأنه ظن علم الفتاوى علم الدين وترك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت