فهرس الكتاب

الصفحة 1382 من 1503

وعرضها وطولها وهو على الأرض، إلى غير ذلك، فلا يصعب عليه إصلاح قلبه ان كان همه هذا الهم فقط.

و إذا عرفت هذا، فاعلم: أن أسباب الخلاص من الغرور ثلاثة:

أحدها: العقل. وهو الفطرة الغريزية وصفاؤه، وهذا نعمة من اللّه تعالى في أصل الفطرة، فإِن فاتت ببلادة وحماقة فلا تدارك لها. والعقل أصل كل خير ولا يرجى بدونه الخير أصلًا، شهدت بذلك الأخبار والآثار.

الثاني: المعرفة؛ أعني: معرفة أربعة أمور: يعرف نفسه بالعبودية والذل، وأجنبيا عن هذه الشهوات، وإنما يوافق طبعه معرفة اللّه والنظر إلى وجهه الكريم، ويعرف ربه ولا يمكن ذلك إلا بمعرفة نفسه. ولقد أسلفنا ما يبعثك إلى هذه. ويعرف الدنيا والآخرة بما في كتاب ذم الدنيا وفي كتاب ذكر الموت.

ثم أن العبد - بعد ما وقع عن نفسه شوائب الغرور، بأن يهذب أخلاقه، وراقب القلب حتى صفا عن جميع الكدورات، واستوى على الصراط المستقيم، وضوت الدنيا في عينه، ولم يبق إلا هم واحد وهو اللّه تعالى - ربما يخاف عليه أن يأتيه الشيطان من جهة الدين، ويدعوه إلى الرحمة إلى خلق اللّه، فيراهم في دينهم سكارى وفي أمورهم حيارى، صما عميا قد استولى عليهم المرض وهم لا يشعرون، فقدوا مع ذلك الطبيب وأشرفوا على العطب - انبعث من ذاته الاشتغال بنصحهم، ثم يدعوه إلى الرياسة دعاء خفيًا أخفى من دبيب النمل لا يشعر به المريد.

فلم يزل ذلك دأبه حتى دعاه إلى التصنع والتزين بتحسين الألفاظ والنغمات، والتصنع في الزي والهيئة، حتى أقبل الناس يعظمونه ويبجلونه ويوقرونه مثل الملوك بل أزيد، إذا رأوا شافيًا لدائهم من غير طمع، فصار أحب إليهم من آبائهم وأمهاتهم، وصاروا له حولا كالخدم والعبيد، وحكموه على السلاطين، فعند ذلك ارتاحت نفسه وذاقت لذة يا لها من لذة، حتى يغضب على من يرد عليه خطأه، ثم يخيل اليه الشيطان إن ذلك غضب للّه تعالى وربما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت