فهرس الكتاب

الصفحة 1383 من 1503

يقع في الوقيعة فيمن رد عليه، وهكذا يسوقه الشيطان ويوقعه فيما هرب عنه قليلًا قليلًا وهو لا يشعر.

وأما علامة صدقه في النصح للناس: أن يود أن يوجد أحد يهتدون به، ولا يطمع في ثنائهم وأموالهم، واستوى عنده مدحهم وذمهم إذ لا ينفعه مدحهم إذا لم يحمد اللّه ولا يضره ذمهم إذا اقترن به حمد اللّه، وينظر إلى الناس كما ينظر إلى السادات من حيث يرى كلهم خيرًا من نفسه، وكما ينظر إلى البهائم من حيث قطع طمعه عن طلب المنزلة في قلوبكم.

فإِن قلت: من بلغ هذه الرتبة في الخلق أعز من الكبريت الأحمر، فإذا منع الناس عن الوعظ لأنسد باب النصح؛ قلت: ان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ذم باب الدنيا ولم يمتنع الناس عنها لشدة الدنيا في قلوبهم محبة وميلًا، وكذا رياسة الوعظ ليست أمرًا يتركها الناس بهذا القدر من التقبيح، فان اللّه عز وجل يصلح خلقًا كثيرًا بإفساد شخص واحد وأشخاص، وان اللّه يؤبد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم.

فان قلت: إذا فعل ما ذكرت من الأمور، وترك النصح أو فعله، وراعى طريق الصدق والإخلاص يبقى بين يديه أخطار الاغترار، قلت: نعم، قول الشيطان: قد أعجزتني وأفلت مني بذكائك وكمال عقلك وقد قدرت على جملة من الأولياء والكبراء، وما أعظم عند اللّه محلك إذ قواك على قهري؛ فعند ذلك يعجب بنفسه من فراره من الغرور كله، والعجب أعظم من كل ذنب.

فإن قلت: فإذا خلص من العجب المذكور فأي شيء يخاف عليه. قلت: يخاف عليه من الغرور بفضل اللّه والثقة بكرمه والأمن من مكره، حتى يظن أنه يبقى على هذه الوتيرة في المستقبل ويأمن مكر الله، والأمن من مكره تعالى خسران عظيم، بل اللائق أن يرى الكل من فضل اللّه، ولا يأمن من مكر اللّه، ولا يغفل عن خطر الخاتمة، وهذا خطر لا محيص عنه، وخوف لا نجاة منه إلا بعد مجاوزة الصراط، فنسأل اللّه حسن الخاتمة فأن الأمور بخواتمها والسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت