فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 1503

وجد فيها الكلاب الباطنية: أعني خبائث الأخلاق وأنجاس الصفات. حكي عن بعض الأمم السالفة أنهم كانوا يختبرون المتعلم أولًا، فإِن وجدوا فيه خلقًا رديًا منعوه التعليم أشد المنع، وكانوا يعتذرون عنه بأن العلم يصير آلة

يستعين بها في الفساد؛ وان وجدوه مهذب الأخلاق قيدوه في (دار التعليم) وعلموه، ولا يطلقونه قبل الاستكمال خيفة من أن يقصر في العلم، فيفسد به دينه ودين غيره.

و يروى عن بعض الحكماء أنه قال: لا تعلموا أولاد السفلة، فإن هم نالوا الشرف حرصوا على مذلة الأحرار، والسبب فيه غلبة سوء الخلق في أولاد السفلة. وأما ما تراه عالمًا سيء الأخلاق فذلك عالم باللسان دون القلب، وعالم باصطلاح هذا الزمان دون السلف، إذ لو ظهر نور العلم على قلبه لحسنت أخلاقه، فإِن أقل درجات العالم، أن يعرف أن المعاصي ورذائل الأخلاق سموم مهلكة، وهل تطيب نفس عاقل يتناول السم؟ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (من ازداد علمًا ولم يزدد من الله هدى لم يزدد من الله إلا بعدًا) ؛ وقال بعض المحققين: معنى قولهم، تعلمنا العلم لغير الله، فأبى العلم أن يكون إلا لله؛ أن العلم امتنع وأبى أن يحصل إلى أن يحصل النية لله تعالى، وما حصل قبلها كان حديثًا يفترى، وانما الصيد في جوف الفرا.

الوظيفة الثانية

تحصيل الاخلاص، في مقاساة هذا الملك الوعر، وقطع الطمع عن قبول زيد وعمرو. ولكل امرؤ ما نواه، لا ما جمعه في صدره وحواه، على وفق عجبه وهواه. أما قرع سمعك أن بعضًا من العلماء، لما سمع قول حبيب رب العالمين: (من أخلص لله تعالى أربعين صباحًا، فجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه) ، وفعل ذلك طمعًا في الحكمة فلم يحظ منها بطائل، رأى في المنام هاتفًا يقول: انك ما أخلصت لله بل للحكمة. والأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى. فينبغي أن ينوي في التعلم، أن يعمل بعلمه لله تعالى واليوم الآخر، وأن يعلم الجاهل، و يوقظ الغافل، و يرشد الغوي، و يؤيد من ليس بقوي، فإن التعلم لغير الله حرام باطل،

وطلب العلم لا العمل به ضائع، وفي الحديث: (علم لا ينتفع به ككنز لا ينفق منه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت