فهرس الكتاب
الألغاز دلالة الألفاظ على المراد، دلالة خفية في الغاية، لكن لا بحيث تنبو عنها الأذهان السليمة، بل يكون بحيث تستحسنها وتنشرح اليها بشرط أن يكون المراد من الذوات الموجودة في الخارج، وأما إن كان المراد اسم شيء، سواء كان من الإنسان أو غيره يسمى معمى. وسيجيء هذا بعد. وكلاهما لكونهما خلاف البيان - إذ المعتبر هناك وضوح الدلالة - اعتبرا من فروعه. وإنما اعتبر في البيان وضوح الدلالة، كما ينبئك عنه اسم البيان، لكون الغرض هناك التفهيم. وأما المعمى واللغز، بالغرض فيهما الاخفاء فلا يتراءى ناراهما.
واعلم: أن المعتبر في علم البيان هو الدلالة العقلية؛ أعني التضمنية والالتزامية. ولما كانت تلك الدلالة خفية، سيما إذا كان اللزوم بحسب العادات والطبائع، وبحسب الألف المتحالفة هذه، بحسب قوم قوم وطائفة طائفة، فوجب التعبير عنها بلفظ أوضح؛ مثلًا إذا كان المرئي دقيقًا في الغاية، يحتاح الحاسة في أبصارها إلى شعاع قوي، بخلاف المرئي إذا كان جليلًا، وكذا الحال في الرؤية القلبية؛ أعني الفهم والإدراك، فيحتاج إلى ألفاظ واضحة الدلالة، ليفهم تلك اللوازم الخفية. هذا حال علم البيان الذي اعتبر فيها إظهار المراد.
وأما إذا اعتبر ستر المراد، كما في المعمى واللغز، يكون الأمر بالعكس. ولما كان إرادة الإخفاء على وجه الندرة عند امتحان الأذهان، لم يلتفت اليهما البلغاء، ولم يعد وهمًا أيضًا من الصنائع البديعية التي يبحث فيها عن الحسن العرضي، لكن بشرط كونه على وجه لا تنبو عنه الأذهان المستقيمة، ولا تمجها الأذواق السليمة. كما أشرنا إليه سابقًا.
ثم هذا المدلول الخفي، إن كان ألفاظًا وحروفًا بلا قصد دلالتها على معانٍ أخر، أو لم يكن ألفاظًا أصلًا، بل ذوات موجودة، يسمى باللغز، وإن كان ألفاظًا وحروفًا دالة. على معانٍ مقصودة، يسمى معمى.
وبهذا يعلم أن الكلام الواحد يمكن أن يكون معمى ولغزًا باعتبارين؛ لأن المدلول إذا كان ألفاظًا وحروفًا، فإن قصد بها معان أخر يكون معمى، وإن قصد ذوات الحرف، على أنها من الأشياء والذوات يكون لغزًا. وأ كثر مبادىء هذين العلمين، مأخوذ من تتبع كلام الملغزين وأرباب المعمى، وبعضها أمور