تخييلية تعتبره الأذواق وتستحليها، وجميع مسائلها راجعة إلى المناسبات الذوقية والوجدانية، بين الدوال ومدلولاتها الخفية، على وجه يقبلها الذهن السليم والطبع المستقيم.
وأما موضوع هذين العلمين وتعريفهما وغرضهما وغايتهما: فقد علم من هذا التقرير.
وأما منفعتهما: فتقويم الأذهان ورياضتها واعتيادها فهم الدقائق. وكنت اشتغلت بعلم المعمى في عنفوان الشباب، ونحن نقرأ وقتئذ (حواشي شرح المطالع) للشريف الجرجاني، فوجدت في ذهني زيادة فاحشة، وفي مطالعتي تفاوتًا بينًا، حتى شاهده مني الأصحاب. والله الموفق للصواب.
وأنا أورد لك أمثلة من اللغز لتعتبر بها. اللغز في (القلم) :
وما غلام راكع ساجد ... أخو نحول دمعه جاري
ملازم للخمس في وقتها ... معتكف في خدمة الباري
وقال ابن الزملاق في (اليراع) ، وضمن فيه مصراعًا من الحماسة:
وناطقة خرساء باد شحوبها ... تكنفهاعشر وعنهن تخبر
يلذ إلى الاسماع رجع حديثها ... إذا سد منها منخر جاش منخر
فأجابه بعضهم، وضمن مصراعًا آخر من تلك القصيدة:
نهاني النهى والشيب عن وصل مثلها ... وكم مثلها فارقتها وهي تصفر
وقال الآخر في (القلم) :
وبيت بعلياء العناء بنيته ... باسمر مشقوق الخياشم يرعف
وفي (الميزان) :
وقاضي قضاة يفصل الحكم ساكتًا ... وبالحق يقضي لا يبوح فينطق
قضى بلسان لا يميل وان يمل ... على أحد الخصمين فهو مصدق