وممن وصل الى هذه الرتبة في السلف: السهروردي، وكتاب (حكمة الاشراق) له، صادر عن هذا المقام، برمز أخفى من سر صدر كاتم.
وفي المتأخرين: العالم العامل، والفاضل الكامل، مولانا شمس الدين الفناري، في بلاد الروم؛ ومولانا جلال الدين الدواني، في بلاد العجم. وهما فائزان لكلتا الرياستين، وحائزان لتينك الدولتين. ورئيس هؤلاء الشيخ صدر الدين القونوي، قدس الله سره العزيز. والعلامة قطب الدين الشيرازي، رحمه الله.
واعلم: أن منبع العلوم الحكمية والنظرية، وأستاذ الكل فيها: ادريس النبي، عليه السلام، اتاه الله النبوة والحكمة، وعلم النجوم. وأنزل عليه ثلاثين صحيفة، وأفهمه عدد السنين والحساب، وعلمه الله تعالى الألسنة، حتى تكلم الناس في زمنه اثنين وسبعين لسانًا. (ولد) بمصر وسموه (بهرمس الهرامسة) وباليونانية (أرميس) : يعني عطارد، وعرب (بهرمس) ؛ واسمه الأصل: هنوخ، وعرب أخنوخ. وسماه الله تعالى في كتابه العربي المبين (ادريس) لكثرة دراسته كتاب الله تعالى، وقيل: أن معلمه غوثاذيمون أو اغثاذيمون المصري، وتفسيره: السعيد الجد، قيل: وهو شيت عليه السلام. ثم أن ادريس عليه السلام عرف الناس صفة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، بأنه يكون بريئًا من المذمات والآفات كلها، كاملًا في الفضائل الممدوحات، لا يقصر عما يسأل عنه، مما في الأرض والسماء، ومما فيه دواء وشفاء، وأنه يكون مستجاب الدعوة في كل ما يطلبه، و يكون مذهبه ودينه ما يصلح به العالم. وكانت قبلة ادريس عليه السلام جهة الجنوب على خط نصف النهار.
وكان رجلًا تام الخلقة، حسن الوجه، أجلح، كث اللحية، مليح الشمائل والتخاطيط، تام الباع عريض المنكبين، ضخم العظام، قليل اللحم براق العين أ كحلها، متأنيًا في كلامه، كثير الصمت، ساكن الأعضاء، كثير الفكر، به عبسة، أ كثر نظره الى الأرض، واذا اغتاظ احتد، يحرك سبابته إذا تكلم. وكانت مدة مقامه في الأرض اثنتين وثمانين سنة، ثم رفعه الله مكانًا عليًا. وهو أول من خاط الثياب وحكم بالنجوم، وأنذر بالطوفان، وأول من بنى