هذا الذي ذكرناه لمن ساعده الذهن، والسن، والوقت، وسامحه الدهر عما يفضيه إلى الحرمان والفوت، والا فعليه أن يقتصر على الأهم، لأن ما لا يدرك كله لا يترك كله، وذلك الأهم هو قدر ما يحتاج إليه في الحال، وهو ما يحتاج إليه في كمال النفس وفضيلتها، وما يقرب به إلى الله عز وجل في الآخرة، وما لا بد منه في إقامة دينه وإخلاص عمله لله ومعاشرة عباده على الشرع الشريف والورع والتقوى.
ومرجع الكل معرفة الله، بالآيات الواضحة، والشواهد الناطقة، ومعرفه ما وجب
عليه في نفسه وماله وليله ونهاره. ويدخل فيه أحكام الشريعة: من الجواز والفساد، والحل والحرمة، والكراهة والاستحباب، ومعرفة سنن النبي عليه الصلاة والسلام، في إقامة ما فرض الله تعالى على أعدل السبل وأقوم المناهج، لا يعرف إلا ببيان من أدبه فأحسن تأديبه. و يدخل فيه أيضًا: علم أخلاق الأنبياء والمرسلين: من اليقين، والإخلاص، والزهد، والتواضع، والنصيحة؛ وعلم آداب النفس: من العفة، والرفق، والتؤدة، والحياء، والسماع، وحسن التدبر والنظر في الأمور، والأخذ بالحزم في الدين، ومداراة العدو، واحتمال أذى الخلق، وصلة الرحم المقطوعة، وبر الجافي، وإعطاء الحازم، والتجاوز عن الظالم، والإِحسان إلى المسيء، وحسن التورع عن أذى الخلائق باليد واللسان والجنان. وستعرف تفاصيل هذه العلوم. وبالجملة: أصل الأصول، ومنتهى السؤال معرفة الله تعالى، التي هي غاية الغايات، وسبب الفوز والنجاة، ورئيس جميع السعادات. وهذا العلم حر لا يخدم غيره أصلا بوجه من الوجوه، وما عداه خدم له والمطلوب الأهم مما عداه ما يتوسل به اليه. ولهذا قال الله تعالى: (قُلِ الله ثم ذَرْهُم في خَوْضِهم يلعبون) . ومن الظاهر المكشوف أن ليس المراد تحريك عضلات اللسان بكلمة الله، فإِن حركة الأطراف لا تجدي إذا لم تؤثر في القلب بأثر هو: الاعتقاد، المسمى بالإيمان، الذي أدناه التصديق، وله مراتب بحسب القوة حتى ينتهي إلى رتبة لو وزن بإيمان العالمين لرجح، وهو ايمان أبي بكر رضي الله عنه، كما قال النبي صلى الله عليه