فهرس الكتاب
قلت: تعيين الكبار، إنما يقبل، إذا كان - مع كبره - عاقلًا، وعالمًا بالمصالح، ومجربًا للأمور، وإلاّ فتقديم الكبار - لمجرد كبرهم في السن - غير مقبول؛ أما ولي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عتاب بن أسيد بمكة، وكان سنة نيفًا وعشرين سنة، وأمر سعد بن أبي وقاص وسنه دون العشرين، وولي المأمون يحيى بن أكثم قضاء البصرة، واستصغره الناس، فسألوه تعبيرًا بذلك، فقالوا: كم سن القاضي؟ قال: سن عتاب بن أسيد حين ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة. فجعل جوابه احتجاجه. وولي الحجاج محمد بن القاسم، قتال الأكراد بفارس، فأبادهم، ثم ولاه السند والهند وسنه سبعة عشر، حتى قال فيه الشاعر:
قاد الجيوش لسبع عشرة حجة ... ولداته إذ ذاك في أشغال
قعدت بهم لذاتهم وسمت به ... همم الملوك وسورة الأبطال
وقال شاعر آخر:
لا تعجبوا من علو همته ... وسنه في أوان منشاها
ان النجوم التي تضيء لنا ... أصغرها في العيون أعلاها
ولهذا قيل: ليس من المروءة سؤال الرجل عن سنه، لأنه ان كان شابًا استصغروه، وان كان كبيرًا استهرموه. وأظن أن قائله الامام مالك رضي الله عنه. والله أعلم.
واعلم: ان على السلطان وظائف كثيرة، مستوفاة في كتب وضعت في هذا الشأن، إلا أنا نذكرها هنا بعضًا من الوظائف التي لا مندوحة عنها أصلًا.
منها: تجنيد الجنود، واقامة فرض الجهاد، لاعلاء كلمة الله تعالى. فان الله تعالى لم يُوَلِّه على المسلمين ليكون رئيسا آ كلًا شاربًا مستريحًا، بل لينصر الدين و يعلي الكلمة. فمن تقاعد عن هذا، وأخذ في أخذ أموال المسلمين ظلمًا، فقد خان الله ورسوله وجماعة المسلمين، واستحق المقت والخذلان من الله الكريم المنان.