فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 1503

الوظيفة الثانية

أن يجري المتعلم منه مجرى بنيه، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إنما أنا لكم مثل الوالد لولده) . بل ينبغي أن يكون (الولد) الالهي أحب إليه من الولد الصلبي. ذكر حافظ الدين البزازي، عن المرغيناني، عن عصام بن أبي يوسف رحمه الله: لم يكن لأحد علي من الحق كما كان له، وكان مشفقًا على أصحابه، لو وقع الذباب على أحدهم، يرى مشقة ذلك عليه. وبلغ من شفقته عليهم أن رجلًا دخل عليه متغير اللون، وقال: إن فلانًا سقط من السطح، وكان الإِمام يصلي، فسمع وصاح حتى سمع من في المسجد، فلما فرغ ذهب إلى الرجل وقال: ان قدرت أن أحمل على نفسي هذه العلة فعلت، وخرج من عنده باكيا. وكان يأتيه صباحًا ومساء حتى برأ الرجل.

وليعتقد المتعلم أن حق المعلم أكبر من حق الأب، فإنه سبب حياته الباقية، والأب سبب حياته الفانية. ولذلك قال الاسكندر لما قيل له: أمعلمك أكرم عليك أم أبوك؟ فقال: بل معلمي. فكما أن الأخوة يجب بينهم التوادد والتحاب فكذلك شركاء الدرس، بل ينبغي أن يكون فوقهم، فإن العلماء كلهم مسافرون وسالكون إلى طريق الله تعالى، والمعلم المرشد، والهادي، والشركاء الرفقاء، ولا ينتظم أمر المسافرة إلا بموافقتهم ومحبتهم وإنما ينشأ البغض والتحاسد، لجعلهم العلم وسيلة إلى المال والرياسة، فيخرجون به عن قوله: (إنما المؤمنُونَ اخْوة) ، ويدخلون تحت قوله تعالى: (الأخِلّاءُ يومئذ بعْضهُمُ لبعض عدو إلا المتقينَ) .

ولا يخفى أن المال والرياسة يوجبان التحاسد والتباغض، كما وقع في زماننا هذا بسبب حب الرياسة والمال - العداوة والبغضاء والتحاسد بين العلماء. وإلى الله المشتكى من زمان ملأ الله قلوب أهليه من الحسد، وغلب عليهم العناد، حتى جرى منهم مجرى الدم من الجسد. قوم غلب عليهم الجهل وطمهم، وأعماهم حب الرياسة وأصمهم. فمن طائفة يطولون أكمام الافتخار، ويجرون أذيال الاستكبار، يتربعون في صدور الإيوان، و يتنافسون باحتشاد الحواشي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت