فهرس الكتاب

الصفحة 472 من 1503

ظواهرها، ومع ذلك فيها اشارات خفية إلى دقائق، تنكشف على أرباب السلوك، يمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة، فهو من كمال العرفان محض الإيمان. قال الإمام الغزالي في بعض رسائله: أن للقرآن ظهرًا وبطنًا، ولكل حد ومطلع، فمن اقتصر منه على ظواهره فهؤلاء حشوية، ومن اقتصر منه على الباطن فهؤلاء باطنية، وكل من الطائفتين نظر العالم بالعين العوراء، ولم يعرفوا أن لكل ظاهر باطنًا، ولكل عالم جسماني عالمًا مثاليًا، والإنسان مركب منهما، فانه ببدنه الكثيف من العالم الجسماني، وبروحه اللطيف من العالم الروحاني. ولما نزل القرآن لتكميل الإنسان في النشأتبن، لم يخل شيئًا منهما عن البيان، فالاقتصار على أحدهما نقصان، وإنما الكمال حمل الكلام عليهما معا مهما أمكن، والا فلا ينبغي أن يختل أحد الجانبين لتصحيح الطرف الأخر. هذا حاصل كلام الغزالي مع توضيح له من قبلنا، ثم ضرب لذلك مثالًا وهو قوله تعالى لموسى عليه السلام: (فاخلع نعليك) فان المراد بالنعلين في عالم الأجسام ما هو المعروف، وفي عالم الأرواح الدنيا والآخرة، وبين العالمين موازنة ومناسبة، لا يطلع عليها إلا الأنبياء وخواص الأولياء. فحينئذ كما أراد الله تعالى خلع النعلين من موسى عليه السلام بحسب الظاهر، كذلك اراد منه ترك الدنيا والآخرة في الباطن، من غير إخلال إرادة احدهما بالآخر. قال ابن سبع في (شفاء الصدور) : ورد عن أبي الدرداء أنه قال: لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يجعل للقران وجوهًا. وقال ابن مسعود: من أراد علم الأولين والآخرين فليُثَوًّر القرآن. قال: وهذا الذي قالاه لا يحصل بمجرد تفسير الظاهر. وقد قال بعض العلماء: لكل آية ستون ألف فهم. فهدا يدل على أن في فهم معاني القرآن، مجالا رحبًا، ومتسعًا بالغًا، لأن المنقول من التفسير الظاهر ينتهي الإدراك فيه بالنقار والسماع، ولا بد من النقل والسماع فيه، ليتقي به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط. ولا يجوز التهاون في حفظ التفسير الظاهر، بل لا بد منه أولا، إذ لا يطمع في الوصول إلى الباطن قبل أحكام الظاهر، ومن ادعى فهم أسرار القرآن، ولم يحكم التفسير الظاهر، فهو كمن ادعى البلوغ في صدر البيت قبل أن يجاوز الباب. وقال الشيخ تاج الدين بن عطاء الله في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت