فهرس الكتاب

الصفحة 482 من 1503

ومنها: انه سقط من دابة فانكسر رجله، وافضى إلى أمر أوجب قطعها.

وحكى أنه قال: أمسكت عصفورًا في صباي، وربطته بخيط في رجله، وافلت من يدي فدخل في خرق جدار، فجذبته فانقطعت رجله فقالت والدتي: قطع الله رجل الأ بعد كما قطعت رجله، فأدركني دعاء الوالدة. وكان إذا مشى ألقى عليها ثيابه الطوال، فيظن من يراه أنه أعرج. يقال: إنه اتخذ محضرًا فيه شهادة خلق كثير ممن اطلعوا على ذلك، خوفًا من أن يظن أنها قطعت لريبة فيه. قيل: كان أبوه إمامًا بقرية زمخشر، وقال: اعلمه الخياطة لأنه صار زمنًا مبتلى، فقال لأبيه: احملني إلى البلد واتركني بها، فحطه إلى البلد، ورزقه الله حظًا حسنًا، فكفاه الله رزقه، ودخل على الشيخ أبي علي الضرير الأديب، فًاخذ منه علمه، ثم جاء الشيخ أبو مضر الخوارزمي النحوي فأخذ عنه علم الإعراب، وهو الذي قال له الزمخشري مرثيه عند وفاته منها هذا البيتان:

وقائلة ما هذه الدرر التي ... تساقطها عيناك سمطين سمطين

فقلت هي الدر التي قد حشا بها ... أبو مضر أذني تساقط من عيني

ثم ترقت به همته العالية في العلوم العربية، إلى أن بلغ درجة ما رأى مثل نفسه. ثم وفقه الله تعالى، أن صار الإمام ركن الدين محمود الأصولي، والإِمام أبو منصور من تلامذته في علم التفسير، فكانا يقرآن عليه، وهو يأخذ منهما علم الأصول، ويأخذ علم الفقه من الشيخ السديد الخياطي ختن عين الأئمة، فجمع الله له مناقب العلوم كلها. وكان في الحادي والأربعين من عمره ينادم الوزراء والملوك ويمدحهم، ويتنعم في الدنيا، إلى أن أراه الله تعالى رؤياه، فكانت سبب انقطاعه منهم، واقباله على أمر دينه، وأورد هذه الرؤيا في أول كتابه الموسوم (بالنصائح الكبار) ، وهي خمسون مقامة، أنشأها في معاتبة النفس، لما رأى تلك الرؤيا في مرضه ناهكة مرضها، في مستهل شهر الله الأصم رجب، من سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، وهي الحادية والأربعون من عمره، وكانت سبب أنابته وتوبته، وسماها (العام المنذرة) . وكان من الورع وقيام الليل وتدريس العلم في الرتبة العليا. ووقف بعرفات سبع مرات، وحط رحله في البلد الحرام

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت