الأول، وذلك ظاهر، إذ ليس كل قرشي أفضل ممن عداه، بل أما من قبيل النوع الثاني أو الثالث، وعلى كل تقدير، لا يدل على فضيلة الشافعي بخصوصه، ولو سلم دلالة بعض الأحاديث السالفة على فضيلته بخصوصه على غيره، وهو أحق بذلك، لكن من حيث أنه قرشي لا مطلقًا، ولو سلم أنه يدل على فضيلته في العلم، وهو كذلك، كما يفهم من بعض الأحاديث السالفة، لكن يدل على فضيلته على معاصريه وعلى من بعده، لا على السلف ولا على من عداه مطلقًا، بحيث يدخل السلف فيهم، لأن العرف شاهد على أن الفضيلة في أمثال هذا الكلام لا تتناول من تقدمه، على أنه يلزم حينئذ فضيلته على الصحابة أيضًا، وأنه باطل جزمًا.
وأما حديث: (الأئمة من قريش) ، فقد يراد به - والله أعلم - الإمامة الكبرى دون إمامة العلم، أو ما هو أعم منهما، وإلا لنازعت الأنصار الصديق وقت احتجاجه بهذا الحديث عليهم، وأيضًا لو كان المراد إمامة العلم، لأختص الفتوى بقريش في زمن الأصحاب، وليس كذلك، فحاشاهم عن المساهلة في أمر الدين.
واعلم أن من تدبر قوله، صلى الله عليه وسلم: (اختلاف أمتي رحمة) ، وعرف أن مبنى مسائل الفروع على الظن، لا يسوغ له التحكم بين المذاهب، ولا العصبية لواحد من المجتهدين على الآخر منهم، وإنما قصارى أمر المقلد أن يعتقد صحة مذهبه، وإلا لما صح تقليده، وأن يعتقد خطًا مخالفة في موضع خلافه، وإلا لم يصح مذهبه، لأنه يعتقد خطأ من يخالفه مطلقًا، إذ كم من مسائل اتفاقية بين الأئمة، وإذا كان مسائل الفروع ظنيات، يلزم أن يكون صحة مذهبه محتمل الخطأ، وخطأ مخالفة محتمل الصحة، فلا يكون الصحة والخطأ هناك أمرًا يقينيًا، بل راجعًا إلى ظن المجتهد والمقلد، فحينئذ لا يبقى مزيد جدال للعصبية والجدال، إلا أن بعضًا من فقهاء زماننا، أخذتهم الحمية لبعض المذاهب، ويركب الصعب والذلول في العصبية، وهذا من سوء أخلاقهم، ولقد يوجد فيهم من يبالغ في العصبية، حنى يمتنع من الصلاة خلف بعض، إلى غير ذلك مما يستقبح، ذكره، ويا ويح هؤلاء، أين هم من الله، ولو كان