فهرس الكتاب
والحال أكثر من الثواب الحاصل في طلب الحلال فله أن يختار الحلال الغير الطيب كمن غص بلقمة يسيغه بالخمر وكآكل لحل الخنزير عند المخمصة لكن يخفيه من الجاهل مهما أمكن و يتلطف فيه كيلا يحرك سلاسل الشيطان لأن تناول العالم ما زجر عنه الجاهل يثور شغبهم ومن هذا القبيل: ما أعتاده المتصوفه من الذكر على وجه الدوران حيث يقولون أنه حرام لكنه قد يؤثر في تخلية القلب عن الشواغل الدنيوية ما لا يمكن تحصيله بغيره من المجاهدات في أضعاف ذلك الزمان. وهذا الكلام إن صدق فيؤول إلى ما قاله صدر الشريعة في كتاب (تعديل العلوم في مقامات العارفين) في بيان أن العشق المجازي قنطرة الحقيقة لأن أكثر ما زاولوه من المجاهدات لتخلية القلب عن الشواغل الدنيوية. ولا يخفى أن العشق يخلي القلب عما سوى محبوبه المجازي. ثم نقل محبته إلى المطلوب الحقيقي يكون أيسر لأن قطع العلائق الكثيرة أصعب من قطع علاقة واحدة. ثم قال ولا يبالي بحرمة هذا العشق لأن قاطع العوائق لا يبالي بحرمته. ثم أورد نظيرًا له من الشرع حيث قال: الدم اليابس إذا لم يوجد ماء حار وعسر إزالة أثره من الثوب يغسل بالبول ثم إزالة البول بالماء البارد يكون يسر. هذا كلا م وقع في البين ولنرجع إلى ما كنا فيه.
واعلم أن طلب الكفاف من الحلال الطيب تعففًا لا تكثرًا فرض، وطلب ذلك بالكسب المشروع سنة. وإن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه. و كان الأنبياء عليهم السلام يحترفون و يكتسبون. و يباكر في طلب الرزق. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (باكروا في طلب الرزق فإن في الغدو بركة ونجاحًا) . و ينوي بالإِكتساب التعفف عن السؤال والإستغناء عن الخلق ولكن لا يقبل الكسب إقبالًا يشغله عن ذكر الله تعالى العلم والعمل للآخرة.
وافضل المكاسب: الجهاد في سبيل الله. إعلاء لكلمته. ثم يليها في الفضل التجارة بشرط الأمانة والصدق والنصيحة. وليعتمد على الله تعالى متوقعًا منه الرزق والفضل وإذا رزق من شيء فليلزمه. فإن اتجر في شيء ثلاث مرات فلم يرزق منه فليتركه. هذا كله حال المتوسطين. وأما الكاملون من أهل التوكل فلهم في أمر الرزق أطوار وأحوال ذكرناها في (رسالة الشفاء) .