فهرس الكتاب

الصفحة 698 من 1503

عن الهوى، وأن رأس ذلك كله قطع علاقة القلب عن الدنيا، والتجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والإقبال بكنه الهمة على الله عز وجل، وأن ذلك لا يتم إلا بالإعراض عن الجاه والمال، وقطع الآمال، والهرب من الشواغل والعلائق، ومن مخالطة الخلائق. قال: ثم لاحظت أحوالي فإذا أنا منغمس في العلائق، وقد أحدقت بي من كل جانب، ولاحظت أعمالي وأحسنها التدريس والتعليم وإذا أنا مقبل فيها على علوم غير مهمة ولا نافعة في طريق الآخرة. ثم تفكرت في نيتي في التدريس فإذا هي غير خالصة لوجه الله تعالى، بل مشوبة بطلب الجاه وانتشار الصيت، فتيقنت أني على شفا جرف الهلاك، وأني قد أشفيت على النار إن لم أشتغل بتلافي الأحوال، فلم أزل أتفكر فيه مدة، وأنا بعد على مقام الاختيار أصمم عزمي على الخروج من بغداد ومفارقة تلك الأحوال يومًا، وأحل العزم يومًا وأقدم فيه رجلًا وأؤخر عنه أخرى ولا تصدق لي رغبة في طلب الآخرة بكرة إلا وتحمل عليها جند الشهوة حملة فتنفرها عشية، فصارت شهوات الدنيا تجاذبني بسلاسلها إلى المقام، ومنادي الإيمان ينادي: الرحيل الرحيل، فلم يبق من العمر إلا القليل، وبين يديك السفر الطويل، وجميع ما أنت فيه من العلم رياء وتخيل، فإن لم تستعد الآن إلى الآخرة فتى تستعد، وإن لم تقطع الآن هذه العلائق فمتى تقطع، فعند ذلك تنبعث الرغبة وينجزم العزم على الهرب والفرار، ثم يعود الشيطان الغرور الغدار، ويقول: هذه حالة عارضة إياك أن تطاوعها، فإنها سريعة الزوال، فإِذا أذعنت لها، وتركت هذا الجاه الطويل العريض والشأن المنظوم، الخالي عن التكدير والتنغيص، والأمر المسلم الصافي عن منازعة الخصوم، ربما التفت إليك نفسك فلا يتيسر لك المعاودة. فلم أزل أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا ودواعي الآخرة قريبًا من ستة أشهر آخرها رجب سنة ست وثمانين وأربعمائة، وفي هذا الشهر تجاوز الأمر حد الاختيار إلى الإِضطرار إذ قفل الله تعالى على لساني حتى اعتقل عن التدريس، فكنت أجاهد نفسي أن أدرس يومًا واحدًا تطييبًا لقلوب المختلفة (إليّ) وكانوا نحو ثلاثمائة نفر، فكان لا ينطق لساني بكلمة ولا يستطيعها البتة، حتى أورثت هذه العقلة في اللسان حزناَ في القلب بطلت معه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت