فهرس الكتاب
قوة الهضم ومري الطعام والشراب، وكان لا ينساغ لي شربة ولا تنهضم لي لقمة، وتعدى إليّ ضعف القوى، حتى قطع الأطباء طمعهم في العلاج، وقالوا: هذا أمر نزل بالقلب، ومنه سرى إلى المزاج، فلا سبيل إليه بالعلاج إلا بًان يتروح السر عن الهم المهم، ثم أني لما أحسست بعجزي وسقط بالكلية اختياري التجأت إلى الله تعالى التجاء المضطر الذي لا حيلة له، فأجابني الذي يجيب المضطر إذا دعاه، وسهل إلى قلبي الأعراض عن المال والجاه ومفارقة الأولاد والأحباء والأوطان والأصحاب، فأظهرت عزم الخروج إلى مكة وأنا أدبر نفسي سفر الشام، حذارًا أن يطلع الخليفة وجملة الأصحاب على غرضي في المقام بالشام. فتلطفت بلطائف الحيل في الخروج من بغداد على عزم أني لا أعاودها أبدًا، فاستهدفوني واستهزءوا بي، كأنه لم يكن فيهم من يجوز أن يكون الأعراض عما كنت فيه بسبب ديني، إذ ظنوا أن ذلك هو المنصب الأعلى في الدين، وكان ذلك مبلغهم من العلم. ثم ارتبك الناس في الاستنباطات، فظن من بعد عن العراق أن ذلك لاستشعار من جهة الولاة، وأما من قرب منهم من الولاة بمكان، فكان يشاهد الحاحهم في التعلق بي والانكار عليَّ وأعراضي عنهم وعن الالتفات إلى قولهم، فيقولون: هذا أمر سماوي ليس له سبب إلا عين أصابت أهل الإِسلام وزمرة العلم. ففارقت بغداد وفرَّقت ما كان معي من مال، ولم أذَخر إلا قدر الكفاف وقوت الأطفال ترخصًا بًان مال العراق للمصالح لكونه وقفًا على المسلمين، فلم أر في العالم ما يأخذ العالم لعياله أصلح منه. ثم دخلت الشام وأقمت فيه بمدينة دمشق قريبًا من سنتين لا شغل لي إلا العزلة والخلوة والرياضة والمجاهدة اشتغالًا بتزكية النفس وتهذيب الأخلاق وتصفية القلب لذكر الله، كما كنت حصلته من علوم الصوفية، فعلمت أن طريقهم إنما تم بعلم وعمل، وكان حاصل علمهم قطع عقبات النفس والتنزه عن أخلاقها المذمومة وصفاتها الخبيثة، حتى يتوصل بها إلى تجلية القلب عن غير الله وتحليته بذكر الله، وكان العلم ايسر عليَّ من العمل إذ ذاك، فابتدأت بتحصيل علمهم من مطالعة كتبهم مثل (قوت القلوب) ، لأبي طالب المكي، وكتب الحارث المحاسبي والمتفرقات المأثورة عن الجنيد والشبلي وأبي يزيد